م. أحمد الدفينة
تبدو الحرب في السودان والصراع في شمال مالي خاصة في منطقة كيدال وكأنهما أزمتان منفصلتان من حيث الجغرافيا والسياق السياسي إلا أن النظرة الأعمق تكشف عن ترابط غير مباشر بينهما داخل فضاء أوسع هو إقليم الساحل والصحراء. هذا الإقليم يتميز بحدود رخوة وحضور ضعيف للدولة وانتشار واسع للفاعلين غير النظاميين (المليشيات) مما يجعل من أي صراع داخلي عاملا مؤثرا يتجاوز حدوده الوطنية ليطال دولا أخرى كما هو الحال بين السودان ومالي.
في هذا السياق تمثل حركات الطوارق في شمال مالي نموذجا تقليديا للحركات المسلحة ذات الطابع الإثني حيث تنتشر هذه الجماعات عبر عدة دول في الساحل وتطالب في كثير من الأحيان بالحكم الذاتي أو الإستقلال. وفي المقابل نشأت قوات الدعم السريع في السودان من رحم ميليشيات محلية في دارفور قبل أن تتحول إلى قوة شبه عسكرية ذات نفوذ واسع تخوض اليوم تمرد ضد الدولة والجيش السوداني. ومن هذا المنطلق فإن دعم الجيش السوداني لا ينظر إليه فقط كخيار داخلي فقط ولكنه دعم لفكرة الدولة الوطنية في مواجهة التفكك الميليشياوي الذي يهدد المنطقة بأكملها.
أحد أبرز أوجه التشابه بين الطوارق ومليشيا الدعم السريع يتمثل في طبيعة البيئة التي ينشط فيها الطرفان وهي البيئة الصحراوية المفتوحة التي تتطلب أساليب قتال مرنة وسريعة تعتمد على الحركة بإستخدام المركبات الخفيفة وتكتيكات الكر والفر. هذه الخصائص جعلت من الصحراء مسرحا مثاليا لحروب غير تقليدية يصعب على الجيوش النظامية حسمها بسرعة وهو ما يفسر إمتداد هذه الصراعات زمنيا واتساعها جغرافيا.
إلى جانب ذلك ينخرط الطرفان بشكل أو بآخر في إقتصاد موازٍ قائم على التهريب سواء تعلق الأمر بالسلاح أو الموارد الطبيعية أو حتى البشر. فدارفور تحولت خلال سنوات الحرب إلى نقطة عبور مهمة في شبكات التهريب التي تربط السودان بليبيا وتشاد ومنها إلى دول الساحل بما في ذلك مالي. هذه الشبكات لا تعترف بالحدود السياسية وتسهم في تغذية الصراعات من خلال توفير الموارد والسلاح للمجموعات المسلحة مما يجعل أي إنفلات أمني في السودان له أثر مباشر على إستقرار الإقليم.
كما إن البعد الدولي يلعب دورا مهما في ربط هذه الصراعات ببعضها البعض حيث تتقاطع مصالح قوى خارجية في كل من السودان ومالي سواء بشكل مباشر أو عبر وكلاء محليين. هذا التداخل يعزز من فكرة إن ما يحدث ليس مجرد أزمات محلية ولكنه جزء من صراع نفوذ أوسع تتحول فيه الدول الهشة إلى ساحات مفتوحة.
غير أن أخطر ما في الحرب السودانية لا يكمن فقط في آثارها الداخلية ولكن في تداعياتها الإقليمية المتسارعة. فقد حذرنا منذ المراحل الأولى لإندلاع الحرب المجتمعين الدولي والإقليمي من أن ترك السودان ينزلق نحو صراع مفتوح سيؤدي حتما إلى تصدير الفوضى إلى دول الجوار والإقليم. هذه التحذيرات لم تكن قراءة سياسية مجردة بل استندت إلى فهم عميق لطبيعة المنطقة حيث تنتقل الأزمات بسرعة عبر الحدود الهشة.
وقد بدأت بالفعل ملامح هذا التأثير تظهر بوضوح فإنتشار السلاح الناتج عن الحرب في السودان يشكل أحد أخطر التهديدات حيث تتسرب الأسلحة عبر مسارات التهريب إلى مناطق النزاع في الساحل مما يعزز قدرات الجماعات المسلحة في مالي وغيرها. كما إن ظاهرة المقاتلين المرتزقة العابرين للحدود آخذة في التصاعد حيث يجد بعض المقاتلين المرتزقة في الحروب الممتدة فرصا للإنتقال بين ساحات القتال وهو ما يعقد المشهد الأمني في الإقليم.
إضافة إلى ذلك فإن إطالة أمد الحرب في السودان تسهم في إضعاف نموذج الدولة الوطنية وهو ما ينعكس سلبا على دول تعاني أصلا من هشاشة مؤسساتها مثل مالي. فكلما بدا أن الدولة يمكن أن تنهار أمام قوى موازية إزدادت جرأة المليشيات والحركات المسلحة على تحدي السلطة المركزية سواء كانت حركات إثنية كحركات الطوارق أو جماعات متطرفة كداعش وغيرها.
كما إن التداعيات لا تقتصر على الجانب الأمني فقط بل تمتد إلى الأبعاد الإنسانية والإقتصادية فموجات النزوح واللجوء من السودان تضغط على دول الجوار وتخلق بيئات هشة يمكن أن تتحول إلى حواضن جديدة للتجنيد أو التوتر. كذلك فإن تعطل التجارة الإقليمية ومسارات الإمداد يزيد من هشاشة الإقتصاد المحلي في منطقة الساحل.
في ظل هذه التعقيدات تبرز ضرورة قيام المجتمع الدولي والإقليمي بدور أكثر وضوحا وحسما في دعم الدول ومؤسساتها الشرعية لا سيما من خلال أطر مثل الإتحاد الإفريقي والأمم المتحدة. إن التعامل مع الصراعات الداخلية بمنطق الحياد السلبي أو المساواة بين الدولة والمليشيات يفتح الباب أمام شرعنة التمرد وتقويض مفهوم السيادة الوطنية. فهناك فرق جوهري بين جيش وطني يمثل الدولة ومؤسساتها وبين تشكيلات مسلحة تقوم على الولاءات الضيقة أو المصالح الخاصة. إن أي مقاربة تضع الطرفين في كفة واحدة تحت دعاوي التوازن أو الوساطة تضعف الدولة وتعطي الميليشيات مساحة أكبر للمناورة والاستمرار. لذلك فإن دعم الجيوش الوطنية ومؤسسات الحكم الشرعي لا يعد إنحيازا بل هو إستثمار مباشر في إستقرار الإقليم ومنع تحوله إلى بيئة مفتوحة للفوضى.
ومن هذا المنطلق تكتسب مسألة إعادة تفعيل عضوية السودان داخل الإتحاد الإفريقي أهمية إستراتيجية لا يمكن تجاهلها. وإن إستمرار تجميد عضوية السودان يحد من قدرته على التفاعل مع محيطه الإقليمي ويضعف من فرص التنسيق الأمني والسياسي الضروري لمواجهة التحديات المشتركة. في المقابل فإن فك هذا التجميد سيسهم في إعادة دمج السودان في المنظومة الإفريقية ويعزز من دور المؤسسات الإقليمية في دعم مسار إستعادة الدولة والإستقرار. كما يتيح ذلك قنوات أوسع للتعاون في مجالات الأمن والتنمية ومكافحة التهديدات العابرة للحدود ويمنح السودان غطاء سياسيا يعزز من شرعية مؤسساته في مواجهة التمرد. إن إعادة السودان إلى موقعه الطبيعي داخل الإتحاد الإفريقي ليست مجرد خطوة رمزية لكنها ركيزة أساسية في بناء إستجابة إقليمية متماسكة تحمي دول الجوار والإقليم من الإنزلاق نحو مزيد من الفوضى.
ورغم كل هذه التقاطعات لا توجد أدلة واضحة على وجود تنسيق مباشر أو تحالف رسمي بين حركات الطوارق ومليشيا الدعم السريع إلا أن العلاقة بينهما يمكن فهمها ضمن ما يمكن تسميته (النظام الإقليمي للفوضى) حيث تعمل مجموعات مختلفة داخل بيئة واحدة تتشابه فيها الأدوات والظروف.
في المحصلة يمكن القول إن الطوارق ومليشيا الدعم السريع ليسوا أطرافا في صراع واحد لكنهم يعكسون نمطا متشابها من الفاعلين المسلحين في بيئة مضطربة. أما الحرب في السودان تعد اختبار حقيقي لقدرة المجتمع الدولي والإقليمي لمنع تمدد الفوضى. ومن هنا فإن دعم الجيش السوداني وإستعادة مؤسسات الدولة لا يمثلان فقط ضرورة وطنية لكنه ركيزة أساسية لحماية إستقرار المنطقة بأكملها وهو ما يؤكد أن التحذيرات المبكرة التي أُطلقناها لم تكن مبالغة بل قراءة واقعية لما يحدث اليوم على إمتداد الإقليم.
م. أحمد الدفينة
رئيس قوى الوفاق الوطني (وطن)
الإثنين 4 مايو 2026م
