المركزية تسقط عصابات بنكك في ضربات نوعية

بسم الله الرحمن الرحيم

المركزية تسقط عصابات بنكك في ضربات نوعية

عميد شرطة (م)
عمر محمد عثمان

في مشهد يعكس يقظة أمنية متصاعدة في مواجهة الجرائم المستحدثة، نجحت الإدارة العامة للمباحث الجنائية المركزية في توجيه ضربتين نوعيتين لعصابات الاحتيال الرقمي التي عُرفت بـ”عصابات بنكك”، حيث تمكنت من القبض على أفراد عصابتين في الخرطوم وبورتسودان، بلغت جملة عملياتهم الاحتيالية عبر إيصالات تطبيق بنكك المزورة أكثر من 102 مليون جنيه سوداني (102 مليار جنيه بالقديم).

ولعل مصطلح “المركزية” هو الاختصار الأشهر المتداول للإشارة إلى المباحث الجنائية المركزية، وهو اسمٌ اكتسب حضورًا واسعًا بين المواطنين وحتى في لغة التخاطب اليومي، بل ويُشار إليه أحيانًا في لغة “الرندوك” الشعبي بلفظ (كرمزية)، لما يحمله من وقعٍ خاص وإيحاءٍ قوي يبعث الهيبة، ويثير الرهبة في نفوس الخارجين عن القانون، حتى غدا ذكره كفيلًا بأن ترتجف له فرائص من تسوّل له نفسه العبث بالأمن أو التلاعب بحقوق الناس.

لا شك أن هذه الجهود تُعد إنجازًا يُشكر عليه، وتعكس في الوقت ذاته حجم التحدي الذي تفرضه هذه الأنماط من الجرائم، لا سيما مع ما توفره من عوائد ضخمة وسريعة تجعلها جاذبة لأصحاب النفوس الضعيفة، وهو ما يؤكد أن اقتصاديات الجرائم الرقمية أصبحت واقعًا يحتاج إلى تعامل متكامل.

ومن الواضح أن حكومة الأمل تولي اهتمامًا متزايدًا بملف التحول الرقمي، حيث أُنشئت وزارة متخصصة تقود جهودًا شاملة لتحديث البنية التحتية الرقمية، شملت كذلك تأسيس هيئة الأمن السيبراني السودانية (SCA)، بهدف تعزيز السيادة الرقمية، وبناء القدرات الوطنية، وتأمين البيانات الحكومية، إلى جانب إطلاق نظام “سودا باس” كأحد ركائز منظومة الأمن السيبراني ضمن استراتيجية إصلاح القطاع.

وفي هذا السياق، يمكن الإشارة إلى تجربة دولة بوتسوانا، التي تُعد من أبرز قصص النجاح في القارة الأفريقية خلال العامين الماضيين (2025–2026)، حيث نجحت في خفض معدلات الاحتيال الرقمي إلى نحو 1.0% فقط في النصف الأول من عام 2025، وهو من أدنى المعدلات إقليميًا. وقد تحقق ذلك عبر ما يمكن تسميته بـ”مثلث الاستقرار”، القائم على الحزم التشريعي، والتطور التقني، والوعي المجتمعي.

وفي تقديري، فإننا بحاجة إلى تبني مقاربة مماثلة تقوم على التكامل بين هذه الأضلاع الثلاثة، مع إيلاء اهتمام خاص بالدور التقني والمؤسسي، ودعم الإدارة العامة للمباحث الجنائية المركزية التي تعمل في ظل إمكانيات محدودة، ورغم ذلك تحقق نجاحات ملموسة.

و نأمل أن لا يقتصر هذا الدعم على وزارة الداخلية ورئاسة الشرطة فحسب، بل يمتد ليشمل شركاء آخرين، من بينهم وزارة التحول الرقمي والاتصالات، وبنك السودان، والمصارف التي تقدم تطبيقات بنكية واسعة الاستخدام، إلى جانب شركات الاتصالات، باعتبارهم أطرافًا رئيسية في منظومة الأمن الرقمي.

وفي هذا الإطار، أرى أن المرحلة تتطلب الانتقال من الجهود الفردية إلى عمل مؤسسي منظم ومستدام، وذلك عبر التفكير في إنشاء صندوق وطني لمكافحة الاحتيال الرقمي، تُساهم فيه الجهات ذات الصلة، وعلى رأسها وزارة التحول الرقمي والاتصالات، وبنك السودان، والمصارف التجارية، وشركات الاتصالات. ويُخصص هذا الصندوق لدعم وتعزيز قدرات الإدارة العامة للمباحث الجنائية المركزية، سواء من حيث التدريب أو التقنيات أو وسائل العمل الحديثة، بما يمكنها من مواكبة التطور المتسارع في أساليب الجريمة الرقمية.

كما تمثل هذه اللحظة سانحة لإعادة طرح مقترح كنا قد تقدمنا به سابقًا، والمتمثل في ضرورة إنشاء مجلس وزاري أعلى لمكافحة الجريمة، على غرار مجلس تنسيق السلامة المرورية أو المجلس الأعلى للدفاع المدني، بحيث يتولى وضع السياسات العامة، وتنسيق الجهود بين الأجهزة العدلية والأمنية والجهات ذات الصلة، وضمان تكامل الأدوار في مواجهة مختلف أنماط الجريمة، بما فيها الجرائم المستحدثة والرقمية.

إن مثل هذه الخطوات من شأنها أن تنقل العمل من دائرة رد الفعل إلى فضاء العمل الاستباقي المؤسسي، وتعزز من فاعلية الدولة في حماية مواطنيها وصون مكتسباتها في مسار التحول الرقمي.

23 مارس 2026م