وجه الحقيقة | إبراهيم شقلاوي
“إعفائي ليس له علاقة بأدائي”. بهذه العبارة الموجزة افتتحت الدكتورة لمياء عبد الغفار خلف الله إفادتها عقب قرار إعفائها من منصب وزيرة شؤون مجلس الوزراء. عبارة قصيرة، لكنها تفتح بابًا واسعًا للتساؤل حول ما يجري داخل بنية السلطة في السودان، وطبيعة إدارة الدولة في هذه المرحلة الانتقالية التي تتطلب قدرًا عاليًا من التنظيم السياسي وتقييم الأداء التنفيذي لإعادة الثقة في مؤسسات الدولة بعد الحرب .
جاءت إفادة الوزيرة السابقة بعد تلقيها قرار الإعفاء مساء الخميس، مؤكدة أن الخطوة تمت بناءً على رغبة رئيس الوزراء لأسباب تنظيمية لا تمس جودة العمل الذي قدمته خلال فترة تكليفها. كما عبّرت عن اعتزازها بكونها أول امرأة سودانية تتولى هذا المنصب الوزاري، وهو موقع يتطلب تنسيق العمل التنفيذي للحكومة وإدارة جدول أعمالها في واحدة من أكثر مراحل الدولة السودانية تعقيدًا منذ اندلاع الحرب في أبريل 2023.
وبحسب ما أوضحته، فقد جاء قبولها للتكليف استجابة لنداء الواجب في لحظة كانت مؤسسات الدولة تواجه اختبارًا صعبًا. ففي ظل الحرب وتعطل أجزاء واسعة من الجهاز التنفيذي ، بدا العمل داخل مجلس الوزراء أقرب إلى إعادة تشغيل آلة دولة تعرضت لاختلالات كبيرة تحت ضغط الصراع.
وخلال تلك الفترة ركزت الوزارة على إعادة تنظيم العمل واستعادة نظم المعلومات والحفاظ على أرشيف الدولة ، إلى جانب انتظام اجتماعات مجلس الوزراء وإجازة القرار رقم (170) الذي وُصفته بأنه وضع خارطة طريق لمهام الجهاز التنفيذي.
كما عملت الوزارة على مراجعة سجلات الخدمة المدنية وإعداد تصورات لإعادة استيعاب العاملين المتأثرين بالحرب، إلى جانب إطلاق مشروعات استراتيجية للأعوام 2026–2027 لتطوير الخدمة المدنية وتطبيق مفاهيم الجودة الشاملة، إضافة إلى تأسيس مركز لدعم اتخاذ القرار يعنى بتحليل المعلومات وصياغة السياسات ومعالجة التحديات الاقتصادية والاجتماعية.
غير أن قصة الإعفاء تبدو، في نظر كثير من المراقبين، محاطة بقدر من الغموض السياسي يتجاوز التفسير الذي قُدّم للرأي العام. فبينما جاء التوضيح الرسمي بأن القرار يعود لأسباب تنظيمية، تشير بعض القراءات في المشهد السياسي إلى وجود خلاف مكتوم داخل دوائر السلطة، خاصة فيما يتعلق بتداخل الاختصاصات بين لجنة إعادة الإعمار التي يرأسها الفريق إبراهيم جابر حيث تداخل عمل هذه اللجنة مع صلاحيات مجلس الوزراء ما جعل رئيس الوزراء بعيدا عن ملفات الاختصاص.
وبرز في هذا السياق خطاب صادر من مجلس الوزراء في وقت سابق قضي بمنع الوزراء من المشاركة في اجتماعات اللجان بغير علم المجلس، في خطوة فُهمت على أنها محاولة لضبط الحدود بين لجنة جابر ومجلس الوزراء. ومن هنا فهم قرار الإعفاء باعتباره جزءًا من عملية لإعادة ترتيب القرار والنفوذ داخل الدولة.
غير أن قراءة هذه الواقعة لا تكتمل إذا اقتصرت على هذا القرار وحده. فالمشهد منذ التغيير في عام 2019 ظل يتحرك في دائرة متصلة من التعيينات والإعفاءات في المواقع العليا. ولم تقتصر هذه التغييرات على الوزارات، بل امتدت إلى الولايات ومجالس إدارات الشركات والبنوك ، حتى أصبح تبدل القيادات سمة متكررة في دولاب العمل الحكومي.
ومن زاوية شخصية، أستطيع إدراك بعض ملامح هذا المشهد من خلال تجربة مباشرة. فقد دار بيني وبين الوزيرة السابقة حديث قبل فترة أبدت خلاله رغبتها في تكليفي مستشارًا إعلاميًا للوزارة عقب عودتي من العمرة.
ورغم زهدي في مثل هذه المواقع بحكم تجربة سابقة مع الوظيفة العامة، فقد أبديت استعدادًا مبدئيًا للقبول، لا بدافع المنصب بقدر ما كان تقديرًا لشخصها ولما عرفته عنها من رؤية إدارية جادة تسعى لإحداث فرق في التجربة الحكومية. فقد تشكلت خبرتها عبر سنوات من العمل في عدد من المؤسسات الوطنية والدولية، الأمر الذي منحها خبرة تراكمية وقدرة على إدارة الملفات المعقدة.
على أية حال، يظل اختيار شخصية أخرى لخلافتها على إدارة هذا الموقع الحساس مهمة صعبة، لا سيما أن كثيرين كانوا ينظرون إليها مشروعًا محتملًا لرئاسة الوزراء. غير أن مسألة الاختيار في السودان لم تعد ترتبط بالكفاءة وحدها، إذ دخلت اعتبارات سياسية وجهوية على معادلة توزيع المناصب. ومع توقيع اتفاق جوبا للسلام، برزت هذه المعادلات بصورة أوضح، ليطفو السؤال القديم المتجدد : هل تُدار الدولة بمنطق الكفاءة أم بمنطق التوازنات السياسية؟
ثم جاءت الحرب في أبريل 2023 لتضيف طبقة جديدة من التعقيد إلى هذا المشهد. فقد تعرضت مؤسسات الدولة لهزة عنيفة تعطل خلالها العمل، وغابت الحكومة، وتبدلت مواقع قيادية خلال فترة زمنية قصيرة، الأمر الذي أضعف الاستقرار الذي تحتاجه أي دولة لتسيير شؤونها بفاعلية.
وفي ظل هذا الواقع جاء تشكيل حكومة جديدة حملت اسم “حكومة الأمل”، تعبيرا عن رغبة في فتح أفق للاستقرار بعد الخلل . غير أن استمرار نهج التعيين والإعفاء، يعيد طرح سؤال مهم : كيف يمكن لمؤسسات الدولة أن تخطط وتعمل في ظل هذا القدر من التبدل المتعجل في مواقع القيادة؟
فالحكومات في أوقات الأزمات قد تلجأ إلى إعادة تشكيل دوائرها التنفيذية بحثًا عن الانسجام في اتخاذ القرار. غير أن مثل هذه الخطوات، مهما بلغت وجاهتها، تظل ناقصة الأثر إن لم تصاحبها درجة كافية من الشفافية تشرح للرأي العام أسبابها وخلفياتها. فالسياسة في جوهرها هي فن إدارة الثقة.
التجارب الدولية تقدم درسًا واضحًا في هذا الجانب : النهوض يبدأ بالاختيار أولًا ، ثم منح التفويض اللازم للعمل دون تدخل مباشر في التفاصيل.
كما أن التخطيط الاستراتيجي، بحسب #وجه_الحقيقة ، يحتاج إلى استقرار. والاستقرار يحتاج إلى ثقة. والثقة لا تنمو في بيئة إدارية مضطربة. وعندما تصبح القرارات جزءًا من رؤية واضحة ومعلنة، وتُبنى العلاقة بين الدولة والمجتمع على الشفافية والمساءلة، عندها فقط يمكن القول إن السودان بدأ يخطو فعلاً نحو دولة المؤسسات لا دولة الرغبات.
دمتم بخير وعافية.
الأحد 15 مارس 2026م Shglawi55@gmail.com
