‏السعودية كقوة ردع اقليمية مستقلة: تحوّل استراتيجي قيد التشكل

‏سليمان العقيلي


‏تشهد دوائر الأمن القومي في واشنطن منذ فترة نقاشًا متصاعدًا حول سؤال جوهري : هل يمكن أن تتحول السعودية خلال العقد أو العقد ونصف المقبل إلى قوة ردع مستقلة (جزئيًا) تمتلك قدرات عسكرية وسيادية تجعل قرارها الدفاعي غير مرتبط كليًا بالمظلة الأميركية؟ هذا النقاش لا يدور في إطار القطيعة مع الولايات المتحدة، بل في سياق قراءة مرحلة جديدة من التحول الإقليمي والدولي، حيث تعيد القوى المتوسطة تعريف موقعها داخل خارطة الأمن العالمي.

‏جذور النقاش: تحولات في بيئة الأمن الخليجي

‏انطلقت المراجعة الفكرية الأميركية حول “الاستقلال الامني السعودي” بعد ثلاث محطات مفصلية.
‏الأولى كانت هجمات أرامكو عام 2019 التي ضربت منشأتي بقيق وخريص، وكشفت قدرة خصوم المملكة على استهداف مركز الثقل الاقتصادي رغم وجود أنظمة دفاعية أميركية متقدمة. لم يكن حجم الأضرار هو ما صدم المراقبين، بل محدودية الرد الأميركي، وهو ما زعزع الثقة في معادلة “الضمانة الأمنية المطلقة”.

‏الثانية تراجع أولوية الشرق الأوسط في الاستراتيجية الأميركية. فواشنطن باتت تركز على منافسة الصين في المحيطين الهادئ والهندي، وعلى دوزنة أمن أوروبا بعد الحرب في أوكرانيا، تاركة فراغًا نسبياً في المنطقة.

‏أما العامل الثالث فهو صعود نموذج “الاستقلال الاستراتيجي” الذي تتبناه دول مثل الهند وتركيا وكوريا الجنوبية، حيث تسعى هذه الدول إلى الحفاظ على تحالفها مع واشنطن دون أن يكون ذلك على حساب قدرتها الذاتية على الردع والعمل العسكري المستقل.

‏كيف ترى مراكز التفكير الأميركية هذا التحول؟

‏لا يجري هذا النقاش في غرف مغلقة فقط، بل تعكسه أوراق صادرة عن مراكز أبحاث أميركية متخصصة في قضايا الأمن والدفاع. كثير من هذه الدراسات بات يتحدث عن السعودية كدولة تنتقل من “الاعتماد الأمني شبه الكامل” إلى “الاستقلالية العسكرية النسبية”، مع التركيز على ثلاثة مسارات: توطين الصناعات الدفاعية، وتنويع الشركاء، والمطالبة بنقل أوسع للتكنولوجيا. في بعض هذه الأدبيات، تُقدَّم السعودية بوصفها حليفًا يسعى إلى إعادة صياغة دوره داخل المنظومة الأمنية الأميركية، لا الخروج منها، عبر بناء قدرات ذاتية تعزز الردع وتحمي القرار الوطني من الضغوط الخارجية المباشرة.

‏هذه الرؤية جعلت بعض الباحثين في مراكز الدراسات القريبة من دوائر الأمن القومي الأميركي يتعاملون مع مشروع “الردع السعودي” باعتباره فرصة لإعادة تعريف التحالف، لا انتقاصًا منه؛ أي الانتقال من نموذج “الضامن الأوحد” إلى نموذج “الشريك المتفوّق” حيث تبقى الولايات المتحدة المصدر الرئيسي للتقنية المتقدمة والإسناد الاستراتيجي.

‏مقومات الدور السعودي الصاعد

‏تُعدّ السعودية أحد أبرز المرشحين الإقليميين لتبني هذا النموذج الجديد لعدة أسباب موضوعية:
‏- القدرة المالية الهائلة للمملكة تمكّنها من تمويل برامج تسلح وتحديث مستدامة، بما يشمل الاستثمار في الصناعات الدفاعية والتقنيات المتقدمة.
‏- الموقع الجيوسياسي الفريد الذي يربط الخليج بالبحر الأحمر والمشرق. ما يجعل أي تعزيز للقوة العسكرية السعودية مؤثرًا تلقائيًا في توازنات المنطقة.
‏- التحول الصناعي العسكري الذي تقوده “الشركة السعودية للصناعات العسكرية” (SAMI) يمثل خطوة عملية نحو توطين جزء كبير من الإنفاق الدفاعي، ما يقلل من التبعية التكنولوجية للخارج.
‏- وأخيرًا، تنويع الشراكات الدفاعية مع الولايات المتحدة وأوروبا وآسيا يمنح الرياض مرونة استراتيجية متزايدة، ويعزز مفهوم التعدد في مصادر القوة.

‏مفهوم “الردع المستقل”

‏في الرؤية الاستراتيجية، يتكوّن الردع من ثلاث طبقات متراتبة.
‏الطبقة الأولى هي الردع الدفاعي الذي يقوم على بناء منظومات جوية وصاروخية قادرة على حماية البنية التحتية الحيوية.
‏الثانية هي الردع الهجومي الذي يعني امتلاك القدرة على توجيه ضربات دقيقة وبعيدة المدى إلى أهداف الخصم.
‏أما الطبقة الثالثة فهي الردع الاستراتيجي الشامل، الذي يشمل امتلاك قدرات صاروخية بعيدة المدى، وإمكانيات فضائية، وسيادة سبرانية ، وغواصات، قاذفات استراتيجية ، وربما برنامجًا نوويًا. الوصول إلى هذه المرحلة يُعد مؤشراً على تحول الدولة إلى قوة عسكرية مستقلة فعلاً.

‏تحوّل المشهد الإقليمي

‏ما يتبلور اليوم ليس تغييرًا في التحالفات، بل في طبيعة الاعتماد الأمني. فالمملكة لا تتجه إلى الانفصال عن المنظومة الغربية، بل إلى ترسيخ صيغة أكثر توازناً تقوم على تحالف استراتيجي مع واشنطن، تستند في الوقت نفسه إلى قدرات ذاتية متنامية تمكّنها من حماية مصالحها وردع خصومها.

‏إذا سارت هذه الديناميكية بالوتيرة الحالية، فإن العقدين المقبلين قد يشهدان ولادة قطب ردع إقليمي جديد، يعيد رسم خريطة الأمن في الشرق الأوسط.