مشروع الكونغرس الأمريكي بشأن السودان: بين إعادة صياغة العلاقة ومخاطر التشريع المؤجلة!؟


السفير.د.معاوية البخاري

أثار مشروع القانون الذي ناقشته لجنة الشؤون الخارجية بمجلس النواب الأمريكي بشأن السودان اهتماماً واسعاً، ليس فقط بسبب ما تضمنه من عقوبات وإجراءات مقترحة، وإنما أيضاً بسبب التعديلات التي أُدخلت عليه أثناء مراحل النقاش، وفي مقدمتها حذف بند نزع الشرعية عن الحكومة السودانية الذي كان وارداً في الصيغة الأولية للمشروع. ويكشف هذا التطور عن دلالات سياسية تتجاوز مجرد الصياغة القانونية، لتلامس طبيعة المقاربة الأمريكية الجديدة تجاه الأزمة السودانية وحدودها وآفاقها، من نواحي سياسية وقانونية واستراتيجية تخالف ما رمت اليه السردية المدلسة التي حاولت فرضها الأطراف الراعية للحرب..

أولاً: ماذا يعني حذف بند نزع الشرعية؟
يمثل حذف هذا البند تحولاً مهماً في اللغة السياسية للمشروع، إذ إن الإبقاء عليه كان سيعني عملياً انتقال الولايات المتحدة من مرحلة الضغط تحديدا إلى مرحلة التشكيك في شرعية الدولة السودانية ومؤسساتها الحاكمة. طالما ظلت تساويها مع التمرد بقولها (أطراف الصراع)
هذا التراجع لا يمكن قراءته بمعزل عن مجموعة من الحقائق التي فرضتها التطورات الميدانية خلال الثلاثة أعوام الماضية للحرب ، أهمها:
• استعادة الحكومة السودانية السيطرة على العاصمة الخرطوم ومناطق واسعة من البلاد.
• تراجع فرص فرض ترتيبات انتقالية خارج إرادة الدولة السودانية.
• تصاعد المخاوف الأمريكية من سيناريو انهيار مؤسسات الدولة بصورة كاملة.
• إدراك متزايد داخل دوائر صنع القرار الأمريكية بأن استمرار الحرب لا يتيح بديلاً عملياً وقابلاً للحياة يمكن التعامل معه دولياً.
• ومخاوف أن يؤدي انبها الدولة الي مترتبات وخيمة على امن الجوار والاقليم الأفريقي والبحر الاحمر.
وان نظرة براغماتية بالداخل الأمريكي تريد ان تجعل الباب مواربا في التعاطي مع الحكومة . وبالتالي فإن حذف بند نزع الشرعية يعكس اعترافاً ضمنياً بواقع سياسي وميداني جديد، حتى وإن لم يصل إلى مستوى الاعتراف الكامل بسياسات الحكومة السودانية أو تبني روايتها للأحداث.فضلا عن كونه لم تتبناه الأطراف الداعمة لواشنطون في اوربا والعالم العربي.

ثانياً: هل يمثل ذلك تحولاً استراتيجياً أمريكياً؟
الإجابة الأقرب للواقع هي: لا.
فالتعديل لا يعكس تحولاً جذرياً في السياسة الأمريكية بقدر ما يعكس تعديلاً في أدوات إدارة الأزمة واليات التعاطي مع السودان.
فالولايات المتحدة ما زالت تنظر إلى السودان من خلال عدة محددات أساسية:
• حماية الاستقرار الإقليمي.
• منع تمدد الجماعات المسلحة.
• الحفاظ على أمن البحر الأحمر.
• مواجهة النفوذ الروسي والصيني والإيراني.
• إدارة التداعيات الإنسانية والهجرات الجماعية.
ومن هذا المنطلق، فإن واشنطن تبدو وكأنها انتقلت من سياسة “الضغط عبر الشرعية” إلى سياسة “الضغط عبر العقوبات والرقابة والاشتراطات وحقوق الإنسان”.

ثالثاً: ما هي المخاطر التي لا تزال قائمة داخل المشروع؟
رغم حذف البند الأكثر إثارة للجدل، فإن المشروع ما زال يتضمن مواد قد تشكل تحديات كبيرة للعلاقة بين الخرطوم وواشنطن إذا تمت إجازته بصيغته الحالية.

  1. توسيع نظام العقوبات
    يمنح المشروع الإدارة الأمريكية صلاحيات واسعة لفرض عقوبات على أفراد ومؤسسات ترى أنهم يساهمون في استمرار النزاع أو انتهاكات حقوق الإنسان.
    وتكمن الخطورة هنا في:
    • اتساع نطاق التفسير الأمريكي.
    • إمكانية استهداف مؤسسات حكومية أو شبه حكومية.
    • تأثير العقوبات على القطاع المصرفي والاستثمارات الخارجية.
  2. آليات الرصد والتقارير الدورية
    يتضمن المشروع إلزام الإدارة الأمريكية برفع تقارير دورية إلى الكونغرس بشأن:
    • أداء الحكومة السودانية.
    • أوضاع حقوق الإنسان.
    • وصول المساعدات الإنسانية.
    • الانتهاكات المرتبطة بالنزاع.
    وهذه الآلية تجعل الملف السوداني تحت رقابة تشريعية مستمرة، ما قد يحد من قدرة أي إدارة أمريكية مستقبلية على إجراء انفتاح سياسي سريع تجاه الخرطوم.
  3. ملف المساءلة والعدالة
    يولي المشروع اهتماماً خاصاً بقضايا:
    • جرائم الحرب.
    • الجرائم ضد الإنسانية.
    • الانتهاكات المرتكبة خلال النزاع.
    وهو ما قد يؤدي مستقبلاً إلى ضغوط إضافية تتعلق بالتعاون القضائي أو العقوبات الفردية أو دعم آليات التحقيق الدولية.
  4. القيود المرتبطة بالمساعدات والتعاون
    حتى في حال تحسن العلاقات السياسية، فإن المشروع يربط أي انفتاح أمريكي واسع بمجموعة من الشروط المتعلقة بالحكم المدني وحقوق الإنسان والإصلاحات المؤسسية.
    وهذا يعني أن التطبيع الكامل للعلاقات سيظل رهيناً بمعايير تضعها المؤسسات الأمريكية وليس فقط بالتطورات الميدانية داخل السودان، وان رجحت الحكومة لاعتبارات تحالفية.

رابعاً: الرسالة السياسية الحقيقية للمشروع
الرسالة الأساسية التي يحملها المشروع بعد تعديلاته يمكن تلخيصها في معادلة دقيقة:
“عدم نزع الشرعية عن الحكومة السودانية، مع عدم منحها أيضاً صك قبول سياسي كامل.”
فالكونغرس يبدو وكأنه يسعى إلى تحقيق توازن بين حقيقتين متعارضتين:
الأولى، أن الدولة السودانية لا يمكن تجاوزها أو التعامل مع السودان دون مؤسساتها الرسمية.
والثانية، أن واشنطن لا ترغب في إعطاء انطباع بأنها تخلت عن أدوات الضغط التي استخدمتها منذ اندلاع الحرب، او تجاهلت سردية الحلفاء.
ولهذا جاء المشروع في صورته المعدلة أقرب إلى سياسة الاحتواء المشروط منه إلى سياسة الشراكة.

خامساً: ماذا يعني ذلك لمستقبل العلاقات السودانية الأمريكية؟
إذا تمت إجازة المشروع، فمن المرجح أن تدخل العلاقات السودانية الأمريكية مرحلة جديدة تتسم بثلاث خصائص رئيسية:
1. الاعتراف العملي بالدولة السودانية ومؤسساتها.
2. استمرار الضغوط السياسية والقانونية والاقتصادية والامنية.
3. بقاء ملف السودان تحت رقابة الكونغرس لسنوات قادمة.
وبعبارة أخرى، فإن حذف بند نزع الشرعية لا يمثل نهاية الخلافات بين الخرطوم وواشنطن، لكنه يمنع انتقال العلاقة إلى مرحلة أكثر تصادمية كان يمكن أن تؤدي إلى عزلة سياسية أعمق، تريدها العديد من الجهات المناوئة .

خاتمة
تكشف التعديلات التي أُدخلت على مشروع الكونغرس الأمريكي بشأن السودان عن تحول مهم في أسلوب التعاطي الأمريكي مع الأزمة السودانية، لكنها لا ترقى إلى مستوى التحول الاستراتيجي الكامل. فبينما تراجعت واشنطن عن خطوة كانت ستُفسَّر كتشكيك مباشر في شرعية الدولة السودانية، ظلت تدعوا لها الإمارات، فإنها أبقت في المقابل على منظومة واسعة من أدوات الضغط والرقابة والمساءلة.
وعليه، فإن مغزى المشروع لا يكمن فقط فيما حُذف منه، بل أيضاً فيما بقي داخله، والتشابه الكبير فيما سبقه من مشروع سلام السودان في ٢٠٠٢ . فالمعركة السياسية الحقيقية لم تعد تدور حول شرعية الحكومة السودانية فحسب، وإنما حول طبيعة العلاقة المستقبلية بين السودان والولايات المتحدة: هل تتجه نحو شراكة واقعية تفرضها التحولات الميدانية، أم تبقى أسيرة لعقوبات واشتراطات تجعل التقارب محدوداً ومحكوماً بمنطق إدارة الأزمة لا حلها!؟.
—————
١٣ يونيو ٢٠٢٦ م