السقوف الضاغطة وملفات التسوية:
قراءة جيواستراتيجية في احتمالات وقف الحرب الثلاثية في الشرق الأوسط!؟
السفير.د. معاوية البخاري

مقدمة

في تاريخ الصراعات الإقليمية بالشرق الأوسط، نادراً ما تتوقف الحروب فقط عندما تتعب الجيوش؛ بل غالباً ما تتوقف عندما تبلغ كلفتها السياسية والاقتصادية والاجتماعية حدوداً تجعل استمرارها خطراً على الجميع. واليوم تقف المنطقة أمام مشهد مشابه، مع تصاعد ما يمكن وصفه (بالحرب الثلاثية) الممتدة بين الساحة الإيرانية ودول الخليج والساحة اللبنانية، وهي مواجهة لم تعد محصورة في نطاق عسكري تقليدي، بل تحولت إلى صراع متعدد الأبعاد تتقاطع فيه الجغرافيا السياسية مع الاقتصاد والطاقة والأمن المجتمعي، كلها خاضعة لاهداف الحرب.

فالنيران التي بدأت في ساحات الاشتباك لم تتوقف عند خطوط الجبهات، بل امتدت إلى منشآت الطاقة والمياه والبنى المدنية والممرات البحرية الحيوية واتساع بنك الكل من قبل أطرافها، الأمر الذي جعل تداعياتها تتجاوز حدود الدول المتحاربة إلى الاقتصاد العالمي ذاته. ومع تزايد الضغوط الدولية وتصاعد السخط الشعبي الداخلي في أكثر من ساحة، يبرز سؤال اللحظة: هل بلغت هذه الحرب سقفها الجيوسياسي الذي يدفع أطرافها إلى البحث عن مخرج سياسي؟

إن الإجابة على هذا السؤال لا تكمن فقط في قراءة موازين القوة العسكرية والقدرات، بل في فهم شبكة السقوف الضاغطة والملفات الاستراتيجية التي قد تفرض مسار التهدئة وخفض التصعيد أو على الأقل تجميد الصراع.

أولاً: حدود القوة وسقف الاستنزاف الاستراتيجي

في الحروب الممتدة ذات الطابع غير المباشر، لا يكون الهدف دائماً تحقيق انتصار عسكري حاسم، بل فرض معادلة استنزاف متبادل تُجبر الخصوم على إعادة حساباتهم، وانهاء حالة الحرب التي اندلعت.

تعتمد إيران منذ سنوات على استراتيجية “العمق الإقليمي”، القائمة على توسيع نطاق النفوذ عبر ساحات متعددة تمتد من الخليج إلى شرق المتوسط. وفي المقابل، تسعى بعض دول الخليج إلى تحجيم هذا النفوذ عبر أدوات سياسية وأمنية واقتصادية الي الممرات البحرية .
غير أن اتساع دائرة الاشتباك يضع الجميع أمام معادلة صعبة: فكلما توسعت الجبهات ارتفعت الكلفة العسكرية والاقتصادية، ما يجعل الاستمرار في الحرب دون أفق سياسي واضح خياراً بالغ الكلفة.تجاوزت القواعد العسكرية الاميركية، وحاملات النفط، والمصالح الحيوية.
وهنا يظهر أول سقف جيواستراتيجي للصراع: حدود القدرة على تحمل الاستنزاف طويل الأمد من قبل أطرافها .

ثانياً: معادلة أمن الطاقة العالمي

لا يمكن فهم ديناميات هذا الصراع بعيداً عن موقع الخليج في معادلة الطاقة العالمية. فالمنطقة لا تزال تمثل أحد أهم مصادر النفط والغاز في العالم، وأي اضطراب طويل في إنتاجها أو طرق تصديرها ينعكس مباشرة على الاقتصاد الدولي، ويؤثر على المسار الحياتي الدولي رغم فوارقه وآثاره في كل منطقة.
إن استهداف المنشآت النفطية أو تهديد الممرات البحرية الحيوية يرفع من احتمالات تدخل القوى الكبرى دبلوماسياً أو أمنياً لمنع انفلات الصراع. ومن هنا يتشكل سقف دولي واضح: أمن الطاقة العالمي خط أحمر جيواستراتيجي لا يسمح بتحويل الخليج إلى ساحة حرب مفتوحة.

ثالثاً: الممرات البحرية والاقتصاد الجيوسياسي

إلى جانب الطاقة، يرتبط هذا الصراع بشبكة واسعة من الممرات البحرية الاستراتيجية التي تمر عبرها نسبة كبيرة من التجارة العالمية.
فالمياه الإقليمية في الخليج والبحر الأحمر وشرق المتوسط أصبحت جزءاً من معركة السيطرة على خطوط التجارة الدولية. وأي تصعيد عسكري في هذه المناطق يهدد حركة الملاحة العالمية ويرفع كلفة النقل والتأمين البحري، خاصة إذا مالحق باب المندب بما يجري في مضيق هرمز.
وهذا العامل لا يؤثر فقط على الدول المتصارعة، بل يخلق ضغطاً دولياً متزايداً من القوى الاقتصادية الكبرى التي تعتمد على استقرار هذه الممرات.

رابعاً: هشاشة الجبهات الداخلية

من العوامل التي قد تعجل بوقف الحرب أو تجميدها هشاشة الوضع الداخلي في بعض الساحات المرتبطة بالصراع.
في لبنان، يعاني الاقتصاد من انهيار عميق يجعل أي تصعيد عسكري إضافي عبئاً يفوق قدرة الدولة والمجتمع على التحمل. وفي إيران، تفرض العقوبات الاقتصادية تحديات متزايدة على الاقتصاد الوطني. أما في دول الخليج، فإن مشاريع التحول الاقتصادي الكبرى تحتاج إلى بيئة إقليمية مستقرة، وهي تتعرض الان الي مخاطر جمة. هذه المعادلة تجعل الاستقرار الداخلي عاملاً ضاغطاً على القرار الاستراتيجي لدى جميع الأطراف.

خامساً: دور القوى الدولية في ضبط الصراع

رغم أن الصراع يبدو إقليمياً في ظاهره، فإن القوى الدولية الكبرى تظل حاضرة في خلفيته. فاستقرار الشرق الأوسط يرتبط مباشرة بمصالح اقتصادية وأمنية عالمية، من الطاقة إلى التجارة الدولية الي الممرات البحرية .
لذلك تسعى هذه القوى غالباً إلى إدارة الصراع لا إنهائه بالكامل، عبر منع تحوله إلى حرب إقليمية شاملة قد تهدد النظام الاقتصادي الاقليمي والعالمي على حدٍ سواء .
وقد يظهر هذا الدور من خلال ضغوط دبلوماسية أو رعاية قنوات تفاوض غير مباشرة أو فرض ترتيبات أمنية لحماية الممرات البحرية الحيوية. وقد علت الأصوات الان من ارتفاع أسعار المحروقات عالميا وقد تقود الي فضاءات اخرى.

سادساً: ملفات التسوية المحتملة

إذا ما وصلت الأطراف إلى قناعة بضرورة وقف الحرب، فإن الطريق إلى التهدئة قد يمر عبر حزمة من الملفات التفاوضية المتشابكة، من أبرزها:
1. ترتيبات أمنية إقليمية جديدة تحد من التصعيد العسكري.
2. ضمانات متبادلة لحماية منشآت الطاقة والبنية التحتية الحيوية المدنية.
3. تنظيم قواعد الاشتباك في الساحات الإقليمية مثل لبنان.
4. تفاهمات حول أمن الملاحة البحرية في الممرات الاستراتيجية.
5. إعادة فتح قنوات الحوار الإقليمي بين القوى المتنافسة.
هذه الملفات قد لا تقود إلى تسوية شاملة، لكنها قد تشكل إطاراً عملياً لخفض التوتر واحتواء الصراع، بما يهييء الأطراف المعنية الي تقديم تنازلات في السقوف المعلنة، او ما يعرف بالتجميد الاستراتيجي .

الخاتمة

تكشف هذه الحرب الممتدة بين إيران والخليج والساحة اللبنانية أن الشرق الأوسط يقف مرة أخرى عند مفترق استراتيجي حساس، حيث تتقاطع الجغرافيا السياسية مع معادلات الطاقة والتجارة الدولية والاستثمار والاستقرار المجتمعي بتوتر واستهداف مفتوح.
ومع تصاعد الكلفة الاقتصادية والإنسانية، وتزايد الضغوط الدولية والسخط الشعبي الداخلي، تبدو المنطقة أقرب إلى لحظة مراجعة استراتيجية قد تدفع الأطراف إلى البحث عن صيغة لوقف التصعيد أو تجميده، وثمة دعوات تنطلق الان على خلفية قرار مجلس الامن البارحة بإدانة طهران واتساع رقعة الخسائر والمخاطر .
ففي نهاية المطاف، لا تُحسم مثل هذه الصراعات فقط بميزان القوة العسكرية، بل بميزان أوسع يشمل قدرة الدول على تحمل كلفة الحرب مقارنة بقدراتها على بناء الاستقرار والسلم والأمن الدوليين . وعندما تتجاوز كلفة الصراع حدود الاحتمال، يصبح البحث عن التسوية – امر حتميا مهما كانت هشة أو مؤقتة – خياراً أكثر عقلانية من الاستمرار في طريق الاستنزاف المفتوح.
وعند تلك اللحظة تحديداً، تتحول الحروب من معركة في الميدان إلى معركة في حسابات السياسة والجغرافيا الاستراتيجية، بموازين خارج الأجندات لأطرافها..
⸻——-
١٢ مارس ٢٠٢٦ م