خالد عوض عبدالله _ المحامي
في الدول التي تُعلي من شأن القانون، تُمارس الأجهزة الرقابية دورها باعتبارها حارسًا للمصلحة العامة—وأكرر: ( المصلحة العامة ) لا باعتبارها خصمًا للأطراف التي تراقبها، ولا طرفًا في نزاع شخصي
معها. فالرقابة الرشيدة لا تقوم على كسر المؤسسات المستقلة أو إخضاعها، بل على ضمان الانضباط والشفافية والعدالة، دون أن تُفرغ القانون من محتواه أو تُحوِّله إلى أداة ضغط.
غير أن ما وقع مؤخرًا بين الجهاز القومي للرقابة على التأمين و اتحاد شركات التأمين يثير الاستغراب، بل يفرض أسئلة جوهرية حول طبيعة الرقابة التي يمارسها الجهاز على كيانات مهنية مستقلة ترتبط بالقطاع مثل الاتحاد.
هل نحن أمام رقابة مؤسسية محكومة بالنصوص؟ أم أمام مسار يُحوِّل الرقابة إلى خصومة ويُؤسس لسابقة خطيرة في تقييد استقلال الكيانات المهنية؟
بحسب متابعتي لهذا الملف، بدأت الأزمة عندما مارس اتحاد شركات التأمين حقًا أصيلًا كفله له القانون، وذلك باللجوء إلى القضاء الإداري طعنًا في قرار إداري صادر عن الأمين العام للجهاز، أوقف بموجبه تحصيل الشركات لرسوم إصدار شهادات تأمين الطرف الثالث. ثم مارس الاتحاد أيضًا حقه القانوني بالطعن في قرار آخر يتعلق بإدخال نظام جديد لإصدار شهادات تأمين الطرف الثالث.
وهنا ينبغي التأكيد بوضوح:
إن لجوء الاتحاد للقضاء—في تقديري—لا يُعد خروجًا على الشرعية، ولا شكلًا من أشكال “التحدي” لقرارات الجهاز كما صُوِّر الأمر، بل هو ضمانة قانونية أساسية تكفلها الدولة لمنع تغوّل السلطة الإدارية على حقوق الكيانات المستقلة داخل قطاع حساس مثل قطاع التأمين. فحق التقاضي ليس منّة من أحد، بل أصل دستوري وقانوني، وأي تضييق عليه أو التعامل معه كجريمة مهنية يفتح الباب لممارسات أخطر.
ولما كان القانون—وتحديدًا قانون الإشراف والرقابة على التأمين لسنة 2018—لا يمنح الجهاز القومي للرقابة على التأمين حق الرقابة الفنية أو المالية أو الإدارية على الاتحاد بذات الكيفية التي يمارسها على شركات التأمين، اتجه الجهاز—بدلًا من احترام الحدود القانونية لاختصاصاته—إلى مسار أكثر خطورة:
التشكيك في النظام الأساسي لاتحاد شركات التأمين، وادعاء مخالفته للقانون، دون أن يسند ذلك—بحسب ما يظهر—إلى مسوغ قانوني أو موضوعي واضح، فضلًا عن أن القرار ذاته افتقر للتسبيب، ولم يحدد المخالفات المزعومة تحديدًا دقيقًا.
والأدهى من ذلك أن النظام الأساسي المذكور مضت عليه خمس سنوات منذ إجازته بواسطة الجهاز نفسه، بل إن الجهاز—كما هو معلوم—شارك وبفعالية في صياغة بنوده. فكيف يستقيم أن يُجاز نظام أساسي، ثم بعد سنوات يُجرَّم ويُوصم بالمخالفة دون بيان، ودون تسبيب، ودون تحديد موطن و محل الاعتراض؟
ثم إن الجهاز لم يكتفِ بذلك، بل ذهب إلى أبعد من التشكيك، حين قام بتكوين لجنة وحدد أشخاصها وعددهم ومهامها . دون ان يتم الرجوع لصاحب الحق الأصيل في ذلك، وهو اتحاد شركات التأمين. فقط عليه بتسمية ممثليه في اللجنة . وهذه خطوة—إن ثبتت على هذا النحو—تطرح سؤالًا أخطر:
هل يُدار القطاع بمنطق المؤسسات والاختصاصات؟ أم بمنطق الوصاية وإحلال إرادة الجهة الرقابية محل إرادة الكيان المستقل؟
إن ما يحدث الآن يمثل—في جوهره—افتئاتًا واضحًا على مبدأ ستقلالية الكيانات المهنية، وشخصنة للسلطة، وتحويلًا للمصلحة العامة إلى غطاء لتصفية الخلافات. كما يُكرّس منهجًا مقلقًا مفاده أن أي اعتراض مهني أو قانوني على قرارات الجهاز يُعامل بوصفه تهديدًا يجب قمعه، لا رأيًا مشروعًا يُناقش أو حقًا قانونيًا يُمارس.
وخلاصة القول:
إن استمرار هذا النهج دون تدخل الجهة المشرفة على الجهاز أي _وزارة المالية— ان ترك الأمر “على عواهنه” يضر ليس فقط اتحاد شركات التأمين، بل يضرب الثقة في المنظومة الرقابية نفسها، ويخصم من رصيد القطاع، ويُضعف هيبة القانون، ويُربك بيئة الأعمال والاستقرار المؤسسي في الاقتصاد الوطني.
ولا نعفي من ذلك بعض شركات التأمين التي قد يروق لها ما يحدث اليوم ظنًا أنه يصب في مصلحتها، إذ إن التجارب تؤكد أن السياسات التي تُكسر بها المؤسسات وتُصادر بها الاستقلالية تنقلب سريعًا على الجميع، وأن الخسارة الكبرى—عند تهاوي الثقة—ستصيب القطاع بأكمله دون استثناء.
ولهذا، فإن عرض هذه الوقائع وغيرها مما عكست من ممارسات عبر مقالات سابقة حول قطاع التأمين. يجب أن يكون مدخلًا جادًا لتحرك الدولة:
لتحقيق شفاف يحدد:
من تجاوز حدود الاختصاص؟
ومن أين بدأ الانحراف؟
وهل استُخدمت الرقابة كسلطة إشراف أم كأداة خصومة؟
وهل حُفظ حق التقاضي أم جرى الالتفاف عليه عمليًا؟
فقطاع التأمين ليس ساحة صراع، بل ركيزة من ركائز الاقتصاد الوطني… وحراسة المصلحة العامة لا تكون بتصفية الحسابات، بل بإعلاء القانون على الجميع.
و سيادة القانون في قطاع التأمين هى الغاية التى سوف اظل حريصا عليها لخدمة هذا القطاع الهام بعون الله تعالى.
