نسرين مالك | صحيفة الغارديان البريطانية | 26 أكتوبر 2026
كانت لانا نسيبة واجهة لسياسة إماراتية كارثية أطالت أمد الحرب والموت في السودان. ومجرد النظر في ترشيحها لهذا المنصب يمثل فضيحة بحد ذاته.
خلال السنوات القليلة الماضية، يمكن تتبّع الانحدار نحو حالة من عدم الاستقرار العالمي عبر الاعتداءات التي تُرتكب دون رادع على القانون الدولي وحياة المدنيين، وكذلك عبر تراجع سلطة المؤسسات الدولية ومصداقيتها وتقويضهما. وتمثل الخطوة الأخيرة في هذا المسار المتدهور ترشيح الإماراتية لانا نسيبة لتولي منصب الأمين العام للأمم المتحدة. وقد اكتسب ترشيحها زخماً سريعاً، وحظي بتأييد متزايد، في حين قوبل بغضب عارم بين السودانيين.
تشغل نسيبة منصب وزيرة دولة في الإمارات العربية المتحدة، وكانت سفيرة بلادها السابقة لدى الأمم المتحدة. وعلى مدى السنوات الثلاث الماضية، ارتبط اسم الدولة، وتحملوا معي فهذه ستكون جملة طويلة، بدعم مليشيا قوات الدعم السريع في السودان، وتسهيل وصول المرتزقة للقتال إلى جانب هذه المليشيا المتهمة بالتطهير العرقي وارتكاب جرائم ضد الإنسانية والعنف الجنسي، واستغلال البنية التحتية للمساعدات الإنسانية الدولية لتهريب الأسلحة إلى البلاد.
تمثل الحرب الدائرة بين مليشيا الدعم السريع والقوات المسلحة السودانية كارثة مستمرة ذات أبعاد تاريخية. إنها حرب طاحنة ووحشية، تسببت بالفعل في الجوع والنزوح وأزمة إنسانية هائلة. ورغم تدخل أطراف خارجية متعددة فيها، تشير تحقيقات وتقارير عديدة إلى أن الإمارات هي الدولة التي غذّت الصراع فعلياً، عبر رعايتها المكثفة لأحد طرفيه منذ البداية. وكانت النتيجة صراعاً مستعصياً على الحل، وخسائر لا يمكن تصور حجمها، واستمراراً لا يتوقف للحرب تغذيه خطوط الإمداد الخارجية.
ظل دور الإمارات في حرب السودان هدفاً لتحقيقات صحفية ونشاط حقوقي وإدانات سياسية على مدى سنوات. فقد دعا عضوان في الكونغرس الأمريكي المؤسسات الإعلامية والرياضية الأمريكية إلى إنهاء جميع علاقاتها بالإمارات، رداً على «مساعدتها في ارتكاب إبادة جماعية» من خلال «تسليح أحد الفصائل». وفي بريطانيا، قُدمت شكوى إلى الحكومة تطالب بالتحقيق مع مالك نادي مانشستر سيتي ونائب رئيس وزراء الإمارات، الشيخ منصور بن زايد آل نهيان، استناداً إلى «وفرة الأدلة» على تورط الإمارات.
وقد سُلّط الضوء على الانتهاكات الموثقة المرتبطة بهذه القوة شديدة الثراء، التي ظلت حتى الآن بمنأى عن المحاسبة، واستخدمت ثروتها سعياً إلى ترسيخ موطئ قدم لها في مناطق أفريقية ذات أهمية جيوسياسية. ويبدو أن ساحل السودان المطل على البحر الأحمر، واحتياطياته الوفيرة من الذهب، وموقعه الاستراتيجي داخل القارة، قد أثارت أطماع هذه القوة الخليجية.
وفي مواجهة جميع الجهود الرامية إلى إبراز خطورة الوضع وحجم الرهانات المرتبطة به، تصرفت الإمارات بغطرسة ومراوغة، ولجأت، وفقاً لتقارير، إلى التضليل والدعاية الرقمية. وحيثما ظهرت هذه المراوغات، كانت نسيبة حاضرة لتؤكد نفي «الادعاءات التي لا أساس لها»، ولتقوّض عمل وسائل الإعلام الدولية، بل ولتطعن، في واقعة واحدة ينبغي بالتأكيد أن تكون كافية لاستبعادها من المنصب، في نتائج توصل إليها فريق خبراء تابع للأمم المتحدة.
وفي إحدى الوقائع، واجه رجل سوداني غاضب نسيبة في تشاد خلال زيارتها لأحد مخيمات اللاجئين، رافضاً محاولتها تبييض صورة بلادها. وناشد وفدها الاحتفاظ بمساعداته، مؤكداً أن الإمارات، إذا كانت تريد تقديم العون، فعليها أن تتوقف عن التدخل وتأجيج الحرب. كما رفضت لاجئة أخرى غاضبة المساعدات، قائلة إن الإمارات قتلت إخوتها.
وفي ظل هذه الخلفية، فإن تعيين نسيبة، التي كانت واجهة للاستراتيجية الإماراتية في السودان، سيكون صفعة في وجه ملايين البشر الذين يعانون أهوال الحرب، وتخلياً عن المسؤولية تجاه آلاف القتلى الذين سقطوا بالفعل، وضوءاً أخضر لإطالة أمد الصراع.
لقد كان ذلك درساً، أو بالأحرى درساً آخر، في مدى استعراضية الكثير من المناشدات الصادرة عمن يزعمون الاهتمام بالسودان. وفي مدى تحول كثير من الخطاب المتعلق بالسودان، وحتى الاهتمام العابر به، إلى مجرد تمرين شكلي لاستيفاء المتطلبات وتسجيل المواقف. شيء يُضاف إلى السجل: هذا هو البيان الرسمي الذي يعرب عن القلق على المدنيين، وهذا هو المعلّق الذي تناول القضية مرة واحدة ورأى أن ذلك يكفي، وهذه هي التدوينة المنشورة على منصة إكس.
أما تجاوز ذلك، وإقامة الروابط الضرورية التي تكشف أن الصراع يتجاوز مجرد مواجهة مأساوية بين جماعات مسلحة، وأنه حرب سُمح فيها لأطراف خارجية قوية بأن تؤدي أدواراً بالغة الانحطاط الأخلاقي في تسريع وتيرتها، فيبدو خطوة أبعد مما يرغب كثيرون في اتخاذه.
وكان ذلك أيضاً درساً في مدى قدرة نمط معين من السياسة العربية وأسلوبها على انتزاع القبول والحصول على حرية الحركة. نسيبة سياسية بارعة في المناورة، بلا شك، لكنها أيضاً مستفيدة من حملة لبناء الصورة الذهنية عملت الإمارات عليها طويلاً لكسب ود المؤسسات الغربية.
وقد تمثل أحد أعمدة هذه الاستراتيجية في تقديم الإمارات نفسها باعتبارها دولة إسلامية «معتدلة»، تدرك مخاطر الإسلام الراديكالي، رغم ما يصل إلى حد مزاعم ارتباطها بتمويل جماعات اليمين المتطرف في أوروبا ودعمها. أما الركيزة الأخرى فتتمثل في بناء علاقات مالية وثيقة مع بريطانيا والولايات المتحدة، وخصوصاً مع عائلة ترامب، بما يربط الإمارات بالنخب السياسية والتجارية.
وقد أدركت الإمارات أنه في أوساط الحلفاء والسذّج والجاهلين بالحقائق، يمكن بسهولة تقديم نسيبة باعتبارها الخيار البديهي لهذا المنصب، بوصفها امرأة مسلمة ذات مؤهلات ليبرالية وتعليم غربي، بصرف النظر عن السياسات المظلمة التي تدافع عنها وتمثلها.
ويصعب على البعض تجاوز ما يرد في سيرتها الذاتية: مدرسة ويكوم آبي، وجامعة كامبريدج، وفوق ذلك أصول فلسطينية، مع عملها في خدمة دولة طبّعت علاقاتها مع إسرائيل. إنها الجائزة الكبرى في حسابات سياسات الهوية.
وكل ذلك يجعل نسيبة والدولة التي تمثلها أكثر قرباً وألفة في نظر العالم من السودانيين الذين وقعوا ضحايا لهذه الحرب، وهم أفقر بكثير وأضعف وأقل تمثيلاً.
فالإمارات، ببساطة، يُنظر إليها باعتبارها عضواً في النادي. وتُعامل تجاوزاتها بوصفها شأناً خاصاً لدولة ثرية إلى درجة تجعل استفزازها أمراً غير مرغوب فيه، وحريصة على استرضاء الآخرين إلى درجة تجعل رفضها أمراً صعباً.
ويعكس صعودها طبيعة هذه المرحلة. ففي زمن الحروب الإقليمية الكبرى، وتعدد مراكز القوة، وأزمات الطاقة، وتآكل المعايير، من الذي يبدو، في نظر هذا العالم، أقدر على أن يصبح ركيزة للاستقرار العالمي من دولة تقدم سياسة قائمة على الصفقات المجردة من القيم، وتسندها ثروة سيادية هائلة، وتتقن ممارسات البلطجة الفاخرة التي تُدار خلف الأبواب المغلقة في النظام العالمي الجديد؟
إن تعيين شخصية يُنظر إليها على نطاق واسع باعتبارها واحدة من مهندسي مأساة السودان في منصب بهذه المكانة والنفوذ، وهو منصب لن يؤدي إلا إلى تعزيز موقع الإمارات ومنحها هامشاً أوسع للمناورة فيما يتعلق بأفعالها في السودان، يتجاوز كونه مجرد تحول صغير آخر في طريقة إدارة الشؤون الدولية.
إنه فصل جديد، يُترك فيه مرتكب الانتهاكات والمدافعون عنه دون مساءلة، ثم يُتوّجون ويُرفعون إلى أعلى المناصب.
إن هذا القدر من الازدراء يثير ذهولاً استثنائياً، حتى في عصر أصبح حافلاً بالفظائع.
ولا يمكن أن يتحقق تعيين نسيبة إلا عبر تخطي جثث الموتى، وإدارة الظهور للأحياء.
