تأبين ابن عمر تابرية بأم درمان.. شهادات تستحضر مسيرته الدبلوماسية ومشروعاته التنموية



أم درمان :اخبار السودان


شهدت قاعة المجلس الثقافي بأم درمان، السبت، تأبيناً للفقيد الخليفة ابن عمر محمد أحمد عبدالهادي تابرية، نظمه منبر دار الريح (مدار)، بمشاركة شخصيات من الوسط الفكري والسياسي والدبلوماسي، إلى جانب علماء وزعماء الإدارة الأهلية، استحضروا خلاله سيرة الراحل وإسهاماته في العمل الدبلوماسي والثقافي والتعليمي والمجتمعي، ودوره في خدمة دار الريح والسودان.
وتحدث المشاركون عن مسيرة الراحل ومواقفه السياسية والفكرية ومشروعاته التنموية، مؤكدين أن رحيله ترك فراغاً في محيطه الاجتماعي والوطني، فيما تناولت بعض الكلمات قراءات في تاريخ الثورات السودانية والتحولات السياسية التي شهدتها البلاد.
تمساح: الراحل حمل هموم السودان ومضى في خدمة دار الريح
وقال نائب رئيس منبر دار الريح، الناظر محمد أحمد تمساح، في كلمته الافتتاحية، إن عطاء ابن عمر لم يكن محصوراً في نطاق جغرافي محدد، بل تجاوز محيطه المحلي إلى فضاءات أوسع، مشيراً إلى إسهاماته في العمل الدبلوماسي والثقافي.
وأوضح تمساح أن الراحل عمل ملحقاً ثقافياً للسودان في جمهورية إيران الإسلامية، وأسهم في التعريف بالإنسان السوداني، كما عمل خبيراً تربوياً، وعُرف بمواقفه التي وصفها بالشجاعة في الدفاع عن الحق، وباهتمامه بالقضايا الوطنية.
وأكد، باسم قيادات وأعضاء المنبر، أن رحيل ابن عمر خلّف فراغاً كبيراً، داعياً إلى مواصلة نهجه في العمل التنموي، ومتعهدًا باستمرار منبر دار الريح في تنفيذ الرؤى والمشروعات التي وضعها الراحل، وصولاً إلى تنمية مدن وقرى ومناطق دار الريح.
وأشار إلى أن الراحل كان يتطلع إلى أن تصبح المنطقة أكثر استعداداً لمرحلة ما بعد الحرب، من خلال خطط تنموية تستجيب لاحتياجات مجتمعاتها، واختتم كلمته بالدعاء له بالرحمة والمغفرة.
السفير إبراهيم الكباشي يستعرض تاريخ الثورات والتحولات السياسية
وقدم السفير إبراهيم الكباشي قراءة سياسية واستراتيجية في خمسة محاور، تناول فيها ظاهرة ابن عمر في سياق التحولات السياسية التي شهدها السودان منذ ثورة أكتوبر 1964، مروراً بأحداث عام 1972 التي أشار إليها باعتبارها محاولة لإعادة إنتاج الثورة بعد ثماني سنوات، مستعرضاً عدداً من الشخصيات التي ارتبطت بتلك المرحلة، من بينهم أحمد عثمان، وحافظ الشيخ الذاكي، وحافظ جمعة سهل.
وعرّف الكباشي الثورة بأنها حالة من الحشد الشعبي والانفعال اللحظي، معتبراً أن التجربة السودانية خلال العقود الماضية أظهرت، بحسب تحليله، صعوبة الجمع بين الحرية واستقرار مؤسسات الدولة، محذراً من قابلية الحركات الثورية للاختطاف من قبل كيانات أكثر تنظيماً.
وفي سياق تفسيره للأزمة السودانية الراهنة، طرح الكباشي اتهامات بشأن وجود مخططات خارجية تستهدف السودان، وقال إن ما يجري في البلاد يرتبط، وفق رؤيته، باستراتيجية غربية تقودها إسرائيل لإعادة استعمار السودان، مشيراً إلى أن جذور هذا المسار تعود، بحسب حديثه، إلى عام 1983، وربطه بمنفستو حركة تحرير السودان في ذلك العام.
وأضاف أن ترتيبات تتعلق باستخدام المرتزقة في غزو السودان وُضعت خلال الأعوام 2003 و2004 و2005، وقال إنها موثقة في كتاب أمريكي، وحدد صفحات منه بين 412 و428، مستعرضاً ما وصفه بتفاصيل تتصل بالتخطيط والتعامل مع الدفاعات الجوية السودانية.
وتناول الكباشي كذلك التركيبة السكانية والتعليمية في السودان، مشيراً إلى ارتفاع نسبة الشباب، واتساع مؤسسات التعليم الجامعي، وتخرج أعداد كبيرة من الجامعات سنوياً، في مقابل محدودية فرص العمل، معتبراً أن هذه الظروف أسهمت في تشكيل حالة اجتماعية قابلة للاستغلال السياسي.
وتظل الاتهامات التي أوردها السفير بشأن المخططات الخارجية وتفاصيلها منسوبة إلى طرحه خلال التأبين، ولم يتضمن النص المقدم توثيقاً مستقلاً لها.
الكباشي البكري: رحيله فقد لكردفان ودار الريح
من جانبه، وصف الدكتور الكباشي البكري، نجل الشيخ الجيلي الكباشي، رحيل ابن عمر بأنه فقد للأمة الإسلامية والسودانية، ولإقليم كردفان الكبرى ودار الريح بمكوناتها الاجتماعية والقبلية.
واستعاد البكري ذكرياته مع الراحل منذ مطلع ثمانينيات القرن الماضي، حين كان يزور والده وصديقه الشيخ الفكي الشيخ الجيلي الكباشي في داره، مشيراً إلى أن العلاقة بينهما تجاوزت المجاملات الاجتماعية إلى المحبة الصادقة والتواصل الروحي.
وقال إن الراحل كان يقضي أياماً وليالي في تلك الزيارات وسط أجواء من الألفة والبشاشة، واصفاً إياه بالشخصية المتفردة التي تركت أثراً عملياً وإنسانياً يصعب اختزاله في الشهادات الأكاديمية وحدها.
وأضاف أن أثر ابن عمر امتد إلى مجتمعه المحلي، حيث ارتبط اسمه بقضايا الناس واحتياجاتهم، وبعلاقات اجتماعية وثيقة مع مكونات دار الريح وكردفان.
مدارس الأقمار.. مشروع لتقريب التعليم من القرى الصغيرة
وفي شهادة قدمها أحد زملاء الراحل في الجامعة، استعاد المتحدث مفارقة مؤثرة، قائلاً إنهم اجتمعوا في القاعة نفسها يوم 24 سبتمبر الماضي لتلقي العزاء في أحد أفراد أسرة ابن عمر، وكانت دار الأسرة في القاهرة مقر العزاء، قبل أن يعودوا إلى المكان نفسه في 24 أكتوبر لتأبين ابن عمر.
ووصف زميله الراحل بأنه جمع بين صفات الفروسية والقدرة على التكيف مع البيئات الريفية والحضرية، مستحضراً رحلته من بابنوسة إلى أن أصبح شخصية معروفة في مجالات متعددة.
وسلطت الشهادة الضوء على مشروعه التعليمي، ممثلاً في المنظمة الوطنية للتعليم ومبادرة «مدارس الأقمار»، التي استهدفت توفير التعليم للأطفال في القرى الصغيرة التي تفتقر إلى المدارس، بدلاً من اضطرارهم إلى قطع مسافات طويلة صباحاً ومساءً للوصول إلى القرى الأكبر.
وأوضح المتحدث أن ابن عمر اتفق مع سلطات التعليم على إنشاء فصول للمراحل الأولى والثانية والثالثة في تلك القرى، قبل انتقال التلاميذ إلى المدارس الأكبر لاستكمال تعليمهم، مشيراً إلى أن المشروع واجه تضحيات، من بينها استشهاد زميلهم محمد الفاضل أثناء توجهه لافتتاح أحد الفصول.
ولخص المتحدث فلسفة ابن عمر في ثلاثة محاور، هي فهمه للدين، وترجمة ذلك الفهم إلى مشروع عملي لخدمة دار الريح ومجتمعها، والنظر إلى السياسة في ضوء هذه الرؤية.
واختتم التأبين باستحضار مسيرة الراحل في العمل الدبلوماسي والتعليمي والمجتمعي، وما ارتبط بها من أفكار ومبادرات، وسط دعوات إلى مواصلة المشروعات التي تركها، لا سيما في مجالات التعليم والتنمية المحلية، بما يسهم في خدمة مجتمعات دار الريح خلال مرحلة ما بعد الحرب.