تقرير : أخبار السودان
في خطوة تستهدف توسيع أدوات التمويل المحلي وإدارة السيولة في الاقتصاد، وجّه مجلس إدارة شركة السودان للخدمات المالية المحدودة بالإسراع في إطلاق إصدارات جديدة من الأوراق المالية الحكومية، بالتنسيق مع وزارة المالية والتخطيط الاقتصادي، في وقت تتزايد فيه الحاجة إلى موارد مالية تساعد على تغطية الإنفاق الحكومي دون التوسع في التمويل النقدي ذي الآثار التضخمية المحتملة.
وعقد مجلس إدارة الشركة، السبت 10 أكتوبر، اجتماعه الدوري للربع الثالث من العام 2026، بمقر رئاسة بنك السودان المركزي بالخرطوم، برئاسة محافظ بنك السودان المركزي ورئيس مجلس إدارة الشركة، آمنة ميرغني حسن التوم، وبحضور كامل عضوية المجلس.
وناقش الاجتماع استخدام الأوراق المالية الحكومية في عمليات السوق المفتوحة لإدارة السيولة، إلى جانب توظيفها في تمويل عجز الموازنة على غرار شهادات «شهامة»، بالتنسيق مع وزارة المالية. ووجّه المجلس بالإسراع في إطلاق الإصدارات بعد اكتمال الأعمال الفنية للجان المختصة.
كما استعرض الاجتماع الخطوات الجارية لإصدار الشهادة الذهبية والصكوك الخاصة بالمصارف، وناقش تقرير الأداء المالي للشركة خلال الربع الثالث، وموقف الإيرادات والمصروفات بنهاية سبتمبر الماضي. وأوصى المجلس بالموافقة على زيادة رأس مال الشركة ورفع المذكرة إلى الجمعية العمومية لاستكمال إجراءات الإجازة النهائية.
وليد دليل: النجاح مرهون بكفاءة التنفيذ
وقال المحلل المصرفي وليد دليل، في إفادة لـ«أخبار السودان»، إن التوجه نحو تفعيل الإصدارات الجديدة إيجابي من حيث المبدأ، لأنه يتيح للبنك المركزي توسيع استخدام أدوات السياسة النقدية غير المباشرة لإدارة السيولة، بدلاً من الاعتماد بصورة أساسية على التدابير الإدارية.
وأوضح أن تمويل عجز الموازنة عبر الأوراق المالية الحكومية يمكن أن يشكل بديلاً أقل تضخماً من التمويل بالإصدار النقدي المباشر، شريطة الالتزام بالانضباط المالي وعدم تحويل الإصدارات إلى وسيلة لتغطية عجز متكرر دون معالجة أسبابه.
وأشار دليل إلى أن الصكوك المصرفية والشهادة الذهبية قد توفران أدوات استثمارية متوافقة مع الضوابط الشرعية، وتفتحان قنوات جديدة لتعبئة المدخرات وربطها بالأصول والموارد الحقيقية، بما فيها الذهب.
لكنه حذّر من أن ضعف العائد الحقيقي مقارنة بالتضخم وتراجع قيمة الجنيه قد يقلل جاذبية الأوراق المالية، كما أن استحواذ الحكومة على جانب كبير من السيولة المصرفية قد يحد من قدرة المصارف على تمويل الزراعة والصناعة والتجارة.
وشدد على أهمية وضوح الضمانات الحكومية وجداول السداد، وتطوير سوق ثانوية نشطة لتداول الأوراق المالية، إلى جانب اعتماد آلية شفافة لتسعير الشهادة الذهبية وإدارة المخاطر المرتبطة بتقلب أسعار الذهب. واعتبر أن نجاح التجربة ينبغي أن يُقاس بمدى إقبال المصارف والجمهور على الإصدارات، وأثرها على التضخم وسعر الصرف والتمويل الإنتاجي.
محمد الطيب: التحدي في تعبئة الموارد دون زيادة الضغوط الاقتصادية
وفي قراءة اقتصادية يقول المحلل الإقتصادي محمد الطيب لـ اخبار السودان تبرز أهمية تقييم الإصدارات الجديدة من زاوية قدرتها على توفير موارد محلية للموازنة، مع الحفاظ على التوازن بين احتياجات الحكومة ومتطلبات استقرار الأسعار وتمويل النشاط الإنتاجي.
وأضاف يتمثل التحدي الأساسي في ضمان ألا تتحول الأوراق المالية الحكومية إلى أداة تستقطب معظم السيولة المتاحة لدى المصارف على حساب تمويل المشروعات الإنتاجية، خاصة في ظل حاجة قطاعات الزراعة والصناعة والخدمات إلى التمويل اللازم لاستعادة نشاطها والتوسع في الإنتاج.
كما تكتسب شروط الإصدار أهمية كبيرة، خصوصاً ما يتعلق بالعائد وآجال الاستحقاق والضمانات وآليات التداول، إذ إن جاذبية الأوراق المالية ترتبط بقدرة المستثمرين على تقييم مخاطرها والعائد المتوقع منها، فضلاً عن الثقة في انتظام الوفاء بالالتزامات.
وبالنسبة إلى الشهادة الذهبية، فإن نجاحها يتطلب وضوح آلية التسعير والعلاقة بين قيمتها وأسعار الذهب، وتحديد الجهة التي تتحمل مخاطر تقلب الأسعار، بما يعزز الشفافية ويحمي حقوق المستثمرين.
مراقبون: التنسيق المالي والنقدي شرط أساسي
ويرى مراقبون أن فعالية الإصدارات الجديدة لن تتوقف على حجم الأموال التي يمكن جمعها فحسب، بل على مدى اتساقها مع السياسة النقدية والمالية، وقدرتها على معالجة احتياجات التمويل دون خلق اختلالات إضافية في السوق.
ويشير هذا التقييم إلى أهمية التنسيق بين بنك السودان ووزارة المالية في تحديد حجم الإصدارات وتوقيتها وشروطها، مع مراعاة حجم السيولة المتاحة لدى المصارف واحتياجات القطاع الخاص للتمويل.
كما أن زيادة رأس مال شركة السودان للخدمات المالية قد تدعم قدرتها على إدارة عملياتها، غير أن تقييم أثرها يتطلب معرفة حجم الزيادة ومصادرها ومدى انعكاسها على الأداء المالي والتشغيلي للشركة.
النتائج هي معيار النجاح
وتضع الخطوة الجديدة بنك السودان ووزارة المالية أمام اختبار تحقيق التوازن بين تمويل الموازنة وإدارة السيولة ودعم التعافي الاقتصادي. وستتضح نتائجها من خلال حجم الإقبال على الإصدارات، وتكلفة التمويل الحكومي، ومدى استمرار المصارف في تمويل القطاعات الإنتاجية، إلى جانب تطورات التضخم وسعر الصرف.
وبينما توفر الأوراق المالية الحكومية فرصة لتوسيع أدوات التمويل المحلي، فإن نجاحها يظل مرتبطاً بالانضباط المالي، ووضوح شروط الإصدار، والشفافية في إدارة الالتزامات، بما يضمن أن تكون أداة لدعم الاستقرار الاقتصادي، لا مجرد وسيلة لتدوير الدين وتأجيل معالجة الاختلالات المالية.
