تأملات
جمال عنقرة
دائما ما اكتب وأقول اننا عشنا عهدا زاهيا للعلاقات السودانية المصرية، علي ايام الرئيسين الراحلين، السوداني صديقي جعفر محمد نميري، والمصري ابن خالتنا أم سترين بت خير الله، أو ست البرين حسب ما صار الاسم في مصر محمد أنور السادات، ومن ملامح ذاك العهد، الزاهي، اننا كنا ندخل مصر ببطاقة وادي النيل، وكان زملاؤنا من الشمالية يدخلون بالبطاقة الشخصية، كما يدخل أبناء اسوان السودان بالبطاقة الشخصية أيضا، وكنا ندفع خمسة جنيهات مصرية فقط رسوما دراسية للعام، مثلنا مثل الطلاب المصريين، بينما يدفع الطلاب الوافدون من بقية الدول العربية أربعة ألف جنيها إسترلينيا، وكان متاحا لنا وحدنا مع اخواننا الفلسطينيين السكن في المدن الجامعية بخمسة جنيهات فقط للسكن والطعام والشراب في الشهر، مثلنا مثل اخواننا المصريين، وكانت المشافي والملاهي، وكل مرافق السياحة والنقل والمواصلات، متاحة لنا بأسعار اخواننا المصريين، ولم نكن نعرف الدولار ولا اي عملة اخري، فالتحويل من السودان يأتينا بما يسمي الدولار الحسابي، وكان سعر الدولار الحسابي في السودان خمسين قرشا، وفي مصر تسعة وستين قرشا، وهو متاح في كل مكاتب وتوكيلات البريد في السودان، ويصرف في اي مكتب بريد في مصر،
ومثلنا الذين عاشوا هذا العصر الذهبي للعلاقات السودانية المصرية، لا يقف طموحهم، عند حريات أربع ينادي بها البعض، ولا عند تكامل اقتصادي، يتحدث البعض عن ملامح له لا تلبي طموحاتنا التي تتطلع إلى ما هو أفضل مما كنا عليه في سبعينيات القرن الماضي.
ولقد اطربني كثيرا حديث السفير الصديق العزيز هاني صلاح مساعد وزير الخارجية المصري لشؤون السودان وجنوب السودان، يوم وداع سفير السودان السابق في مصر، الفريق عماد عدوي، وأكثر ما أعجبني واطربني في حديث السفير هاني، بشارته، بزيادة الربط الكهربائي بين مصر والذلك تبعث الى السودان احدا قبل ان تؤهله، وتتم اعداده، والسودان، وعهدنا بالسفير هاني انه لا يتحدث من فراغ، ثم أن أمر الربط الكهربائي يعد من الأمور الاستراتيجية المهمة، وهو يأتي ضمن منظومة من المشروعات الاستراتيجية الضخمة، التي تعد مصر بها السودان، لصالح البلدين والشعبين معا، وهي تحتاج إلى أن تتعامل الحكومة السودانية معها بذات الجدية والرؤية الاستراتيجية التي تتعامل بها الحكومة المصرية.
وللأسف الشديد فإن السودان لا يتعامل مع مصر بذات الجدية، والمسؤولية، والتخطيط الاستراتيجي الذي تتعامل به مصر مع السودان، وأفضل مثال لذلك أن مصر لا تبعث إلى السودان أحدا قبل أن تعده جيدا وتكمل اعداده، فلو نظرنا إلى الذين يعملون الان في ملف السودان، نجد أن السفير هاني مساعد الوزير كان سفيرا في السودان، وقبلها كان مساعدا للوزير لشؤون السودان وجنوب، ونائبه السفير كريم مختار عمل قبل سنوات في السفارة المصرية في السودان، وعمل قبل ذلك في إدارة السودان في الخارجية المصرية، وسيكون اقوي المرشحين للسفير القادم، بعد أن يتولي منصب مساعد الوزير لشؤون السودان وجنوب السودان، والسفير الحالي ياسر سرور كان مساعدا لوزير الخارجية لشؤون السودان وجنوب السودان وكان ممسكا بكل ملفات السودان في الخارجية المصرية، ونائبه المستشار محمود كان معه في إدارة السودان، ومعه عدد من طاقم السفارة الحالي، واللواء احمد عدلي مدير إدارة السودان في المخابرات، كان قنصلا عاما لمصر في السودان، وكان قبلها يعمل في إدارة السودان، وحتى الذين احيلوا إلى التقاعد من الذين كانوا يعملون في السودان، ولهم خبرات ومعارف في السودان، لا يزالون يشكلون مرجعية للحكومة المصرية في شان السودان، مثل السفير الدكتور صلاح حليمة، واللواء حاتم باشات، وهذا ينطبق أيضا علي الإعلاميين والصحفيين والفنانين والمفكرين، والباحثين المصريين الذين لديهم علاقة بالسودان، من لدن ميلاد حنا وفؤاد عمر، وسيد فليفل ومحمود مراد والجوهري، وثريا حشيش، وهاني رسلان، وأماني الطويل، وأسماء الحسيني، وصباح موسي، وسحر رمضان، ورضوي السيسي، وغيرهم، ولم تعد الحكومة السودانية أحدا مثل هؤلاء في اي من المجالات ليعمل في ملف العلاقات مع مصر، ولا تستعين بالذين اعدوا أنفسهم، أو اعدهم الزمن، وتبعث إلى مصر من يأتي عليه الدور ولو لم يكن يفرق بين باب الحديد وباب اللوق، ومثل هؤلاء يقضون فترة عملهم ولا يتركون بصمة حين يعودون، ولا يستفيدون مما يتعلمون، لأنهم سيفارقون ملف مصر إلى الأبد.
اعتقد انه قد آن الأوان لحكومة السودان، لتنظر إلى العلاقة مع مصر نظرة استراتيجية بعيدة المدي، وأن تولي هذا الملف الاهتمام الذي يستحقه، فلقد اثبتت فترة الحرب الملعونة، أن ليس للسودان شريك جاد وقادر وفاعل مثل مصر، وشراكة مصر مع السودان، شراكة شعب وحكومة، وأرض وماض وحاضر ومستقبل، وأفضل توصيف لحالة السودان ومصر ما قال به الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي “ما لناش غير بعض”
