قد يهون العمر إلا ساعة.. وتهون الأرض إلا موضعاً

المسلمي البشير الكباشي

هاجت الأشواق وأنا أشاهد مناظر جنودنا البواسل في سودري، وهم يغسلون عنها أقذار التمرد وأدناسه. هذه المدينة ـ البلدة ـ حاضرة دار الكبابيش، وحين تتحرر سودري يتشوّف الأمل إلى غربها، إلى حمرة الشيخ.

وحمرة الشيخ قصة نزلت في ظل نفسي، وتمشّت في دماها؛ طفل صغير يقوده والده إلى المدرسة الابتدائية، لينبض للمرة الأولى وترُ المعرفة في قلبه، ويبرق نور العلم بين عينيه، على أيدي أساتذة كنا نسميهم في زماننا آباء. ففي ذلك الوقت، لم يكن الناس يعرفون غيرهم من مصابيح يأتمنونهم على فلذات الأكباد.

ومدرسة حمرة الشيخ الابتدائية هي التي أسسها، ظاعناً على ظهر جمل، الأستاذ الكبير حسن نجيلة، قبل أربعين عاماً (1931م) من زمن ولوجنا إليها. وقد أودع قصتها ،وقصة الدار ،كتابه الشهير الموسوم (ذكرياتي في البادية ).

ومن غرب حمرة الشيخ تمتد سلسلة جبال كَرَبة الحِتّان، مخارف أهلنا ومراتع نوقنا الرطيبة، قيصوماً وطُبَّاقاً…

تلك ديار كانت مهارب للمبدعين من أهل المدن ؛ تتجافى أجسادهم عن مضاجعها في الحضر، لقضاء أشهر من بيدٍ إلى بيد، بحثاً عما يروّح النفس ويغسل عنها وعثاء المدن وضجر حيواتها.

وحمرة الشيخ، ومن بعدها غرباً سلسلة جبال كَرَبة الحِتّان، أنشدهما الشاعر الكبير محمد سعيد العباسي حين استعرّ حنينه، وفاض به الوجد، وقعدت به السنون، وعاقه عن لحاق ركبها ما عاق:

يَا بَرْقُ، طَالِعْ رُبَى الْحَمْرَاءِ وَزَهْرَتَهَا
وَاسْقِ الْمَنَازِلَ غَيْدَاقًا فَغَيْدَاقَا

وَإِنْ مَرَرْتَ عَلَى الْحِتَّانِ فَحَيِّ بِهِ
مِنَ الْمَنَاشِطِ قَيْصُومًاً وَطُبَّاقَا

وجنوب حمرة الشيخ تقع أم بادر، بقعة صيغت من جدائل الجمال. كانت في خريفها جنة الله في أرضه، يفد إليها الباحثون عن الغنى المادي والنفسي.

أم بادر، آسرة الشاعر الكبير الناصر قريب الله، الذي علّق على غابها سؤالاً لا يزال يتردد:

أَيُّ حَظٍّ رُزِقْتِهِ فِي الْكَمَالِ
وَاحْتَوَى سِرَّهُ ضَمِيرُ الرِّمَالِ

فَتَنَاهَى إِلَيْكِ كُلُّ جَمِيلٍ
قَدْ تَنَاهَى إِلَيْهِ كُلُّ جَمَالِ

و في بحيرة أم بادر ،منهلها الأكبر ، يلتقي الماء بالماء. كانت لا تنضب طوال العام؛ تتلاقى في حوضها آخر قطرات الخريف الماضي بقطرات الخريف القادم، على الرغم من تزاحم الأنعام عليها طوال أشهر الصيف.

وقالت شاعرة كباشية:

جَمّ أم بادر حِسّي وجِغْمِنُه لي حِشّي
اللَّيد في عِقالْهِن قِسّي
وغَيَّبْ نَجْمَ العِصِي

وهو قريضُ بدوية تعتز بكثرة ما عندها من أنعام الإبل؛ فهي لكثرتها تحتسي من مياه أم بادر حتى تكاد تستنزفها، وتُتْعب راعيها، «اللَّيد»، أي الولد الذي يبدأ عِقالها بعد المغرب، ويظل في حاله حتى تغيب النجيمات المسماة بالعِصِي، وهي عادةً ما تغيب في ساعات الصباح الأولى.

وأم بادر التي تقتبل تلك البحيرة، ولشرقها «عِديد مويه»، وهو نبع ماء طبيعي في متناول الأيدي بجهد يسير.

هذه أم بادر يحتضنها من الغرب وادي الوكيل، ذلك الوادي الذي سبى الشاعرَ الناصر قريب الله، حين وجد فيه فتاة تجني ثمر السنط في انفراد الغزال.

كان «الوكيل» يومها:

فَيَّأَتْ حَوَاشِيَهُ غَابَاتٌ … تُذِيقُ النَّهَارَ بَأْسَ اللَّيَالِي

يَنْفَدُ النُّورُ نَحْوَهَا فَيُوَافِي … مِنْ رَقِيقِ الظَّلَامِ فِي سِرْبَالِ

كانت تلك الديار في ذاتها قصيدة أزلية، أبدعها الخالق وأودعها الطبيعة. كان ليلها عباءةً سوداء مرصَّعةً بالنجوم، وصبحها يولد نقياً كأنفاس الطفولة.

وناسها… ناسها! يسير الراكب بينهم الليالي ذات العدد، لا يجد تشاكساً إلا في تنافس مضيفيه على القِرى. حياتهم أنهار من العفوية والسماحة، وقلوبهم بيضاء كحليب نوقهم.

أولئك هم الذين ذكرهم العباسي:

صَحْبٌ حَمَلْتُ لِوَاءَ الْعِشْقِ بَيْنَهُمُ
مِنْ قَبْلِ أَنْ يُصْبِحَ الْعُشَّاقُ عُشَّاقَا

وَهُمْ

مَنْ إِذَا سَمِعُوا مِنْ نَحْوِنَا خَبَرًا
وَاللَّيْلُ دَاجٍ، أَقَامُوا اللَّيْلَ إِيرَاقَا

هذه لواعج ذكرى باتت تشجيني على وقع تقدم جنودنا البواسل.

فهل تعود تلك الديار تغنّي لإبلها، ويسوق الحادي خطامها، وتوقد نارها ليلاً تتصيد متأخري الأضياف؟

أم نظل نردد مع العباسي:

إِنَّا مُحَيُّوك يَا أَيَّامَ ذِي سَلَمٍ
وَإِنْ جَنَى الْقَلْبُ مِنْ ذِكْرَاكَ أَعْلَاقَا