قراءة في البيان الأمريكي الجديد :
من أعطي واشنطن حق إعادة تعريف الشرعية في بلادنا !
✍️ السفير/ رشاد فراج الطيب
لم يعد من الممكن قراءة الموقف الأمريكي من الحرب في السودان باعتباره مجرد مسعى إنساني لوقف القتال أو مبادرة دبلوماسية لحقن الدماء .
فالبيان الصادر عن وزارة الخارجية الأمريكية في 22 سبتمبر 2026م ، تحت عنوان ” الجهود الرامية إلى تحقيق السلام في السودان ” ، يحمل في طياته تحولاً مهماً في طريقة واشنطن لتعريف ماهية الحرب علي السودان ، ومفهوم الشرعية ، وشكل السلطة التي ينبغي أن تحكم السودان بعد الحرب .
فالبيان ، من ناحية ، يدعو القوات المسلحة السودانية ومليشيا الدعم السريع إلى هدنة إنسانية وحوار سياسي شامل يقود إلى انتقال مدني ، وهي أهداف يمكن مناقشتها .
لكن الخطورة تبدأ عندما تنتقل واشنطن من الدعوة إلى وقف الحرب إلى إعادة تعريف من يملك الحق في تمثيل الدولة السودانية .
فالعبارة الأكثر وضوحاً وخطورة تقول إن القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع ، وقيادتيهما ، لا تمثلان “حكماً شرعياً أو دستورياً” للسودان ، وإنهما تحكمان بقوة السلاح وحدها ، وإن سلوك قائدي “الطرفين” يجعلهما غير مؤهلين لحكم البلاد .
وهنا ينبغي التوقف طويلاً .
فالبيان لا يكتفي بوضع الدعم السريع والقوات المسلحة في خانة طرفي النزاع العسكري ، وإنما يضعهما معاً في مستوى واحد عندما يتعلق الأمر بالشرعية السياسية ،
وهذه مساواة سياسية لا يمكن للحكومة السودانية أن تمر عليها مرور الكرام .
ذلك أن القوات المسلحة السودانية ، ليست تنظيماً مسلحاً نشأ خارج الدولة ثم حمل السلاح ضدها ؛ إنها المؤسسة العسكرية الرسمية للدولة السودانية ، ومهمتها الدستورية الأساسية هي حماية البلاد وسيادتها ووحدة أراضيها .
أما الدعم السريع فهو طرف مسلح دخل في مواجهة عسكرية مع الدولة ومؤسساتها .
ومن ثم فإن المساواة بينهما في توصيف الشرعية السياسية تعني بالضرورة المساواة القانونية بينهما ، وتؤدي عملياً إلى تمييع الفارق بين الدولة والتمرد .
وهذه هي العقدة التي ينبغي أن تنتبه إليها الخرطوم .
فالولايات المتحدة تقول إنها تريد ” إعادة السلطة إلى الشعب السوداني ” ، وتقول إنها مستعدة للعمل مع ” أي طرف يكون شريكاً جاداً في السلام ” ، لا مع الحكومة السودانية بوصفها الجهة التي تمثل الدولة !
كما أنها تدفع نحو حوار سياسي شامل يقود إلى حكومة مدنية .
وهنا يصبح السؤال مشروعاً : هل نحن أمام مبادرة لإنهاء الحرب ، أم أمام محاولة لإعادة هندسة المشهد السياسي السوداني في أثناء الحرب ؟
الحكومة السودانية لا ترفض السلام أو الحوار أو الانتقال السياسي من حيث المبدأ ، لكن من حقها ، بل من واجبها ، أن تسأل عن الأساس الذي يُبنى عليه هذا الانتقال ، ومن يحدد أطرافه ، ومن يمنح الشرعية لمن ، وما إذا كان السلاح الذي تمرد على الدولة سيصبح ، نتيجة التسوية السياسية ، طريقاً إلى السلطة التي عجز عن الوصول إليها من خلال التمرد العسكري المدعوم من الخارج .
والأخطر أن هذا البيان يأتي في سياق تصعيد أمريكي واضح .
فقد أفادت رويترز بأن الولايات المتحدة حجبت تأشيرة دخول رئيس مجلس السيادة الفريق أول عبد الفتاح البرهان لحضور الجمعية العامة للأمم المتحدة ، وأن مصادر سودانية وغربية ربطت الأمر بمقترح أمريكي لهدنة مدتها 90 يوماً.
وإذا صحت هذه الرواية ، فإن استخدام الحضور في الأمم المتحدة كورقة ضغط لإجبار قيادة الدولة على قبول ترتيبات سياسية أو عسكرية محددة يمثل تطوراً بالغ الحساسية والخطورة ، ويستدعي معالجة دبلوماسية وقانونية رفيعة المستوى .
ولا يمكن فصل ذلك عن الاتجاه الأمريكي للدفع نحو توسيع حظر السلاح المفروض على السودان ليشمل البلاد كلها ، في الوقت الذي تقول فيه واشنطن إن هدفها رفع كلفة الحرب على جميع الأطراف والشبكات التي تغذيها .
غير أن السؤال الذي يجب أن تطرحه الحكومة السودانية بوضوح هو : إذا كان المجتمع الدولي يريد وقف الحرب ، فلماذا لا يكون المدخل الحقيقي هو وقف الدعم الخارجي عن القوة التي تشن الحرب على الدولة ؟ ولماذا تُعامل الدولة ومؤسساتها الرسمية وكأنها مجرد طرف مساوٍ لقوة متمردة ؟
إن السلام العادل لا يبدأ بإلغاء الفروق بين المعتدي والمدافع ، ولا بتحويل الدولة إلى مجرد “طرف متحارب” داخل معادلة متساوية بين طرفين .
لقد أخطأت بعض المقاربات الدولية منذ بداية الحرب عندما اختزلت الأزمة في ثنائية “الجيش والدعم السريع” ، وكأن السودان يخوض حرباً أهلية تقليدية بين قوتين متكافئتين ، بينما المسألة في جوهرها أكثر وضوحا : هناك دولة ومؤسساتها ، وهناك تمرد مسلح ، وهناك أيضاً أبعاد إقليمية ودولية وتدفقات للسلاح والمال والدعم الخارجي .
وإذا أرادت واشنطن فعلاً مساعدة السودان ، فإن عليها أن توسع تعريفها للأزمة بدلاً من تضييقه .
أما الحكومة السودانية ، فإن أمامها الآن مجموعة من الخطوات الضرورية :
أولها : إطلاق تحرك دبلوماسي عاجل ومنظم في الإقليم والعواصم المؤثرة في العالم لشرح الفرق بين الدولة والقوة المتمردة ، وعدم ترك الرواية السودانية أسيرة للبيانات الامريكية .
وثانيها : إعداد مذكرة قانونية ودبلوماسية متكاملة توضح الوضع الدستوري والقانوني للمؤسسات السودانية ، ومهام القوات المسلحة ، وطبيعة نشأة الدعم السريع ومسار تمرده ، وتُرفع إلى الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي والجامعة العربية والدول المؤثرة .
وثالثها : المطالبة بأن تشمل أي مبادرة للسلام بنداً صريحاً بشأن وقف الدعم الخارجي عن الأطراف المسلحة ، مع آلية للتحقق من مصادر السلاح والتمويل والتجنيد والمرتزقة ، بدلاً من الاكتفاء بمطالبة الدولة بوقف عملياتها .
ورابعها : رفض أي مسار سياسي يمنح السلاح حقاً تفاوضياً يتجاوز حق المواطنين والقوى المدنية الحقيقية ، مع الانفتاح في الوقت نفسه على حوار مدني سوداني واسع لا يكون مفروضاً من الخارج ولا مصمماً لخدمة أجندة طرف دولي أو إقليمي .
وخامسها : التحرك داخل المؤسسات الدولية لمنع تحويل الحظر العام على السلاح إلى أداة لإضعاف الدولة ، لأن بصورة غير متكافئة في الواقع قد تكون نتائجه مختلفة جذرياً إذا كان التمرد يمتلك بالفعل مصادر خارجية متعددة للسلاح .
وسادسها : بناء جبهة دبلوماسية وإعلامية سودانية واحدة ، تضم الدولة والقوى السياسية والمجتمع المدني والبعثات الدبلوماسية والكفاءات السودانية في الخارج ، لتقديم خطاب مهني موثق لا يقوم على الانفعال ولا على الإنكار ، وإنما على الحقائق والقانون والمصالح الوطنية .
وسابعها ، وربما الأهم : ألا تدخل الحكومة السودانية في مواجهة خطابية مع الولايات المتحدة ، وإنما في حركة دبلوماسية ذكية لمواجهة مواقفها ، والي حراك شعبي وسياسي داخلي يؤكد للعالم التفاف الشعب حول جيشه وقيادته الشرعية .
فالسودان ربما يحتاج إلى واشنطن كشريك محتمل في السلام وإعادة الإعمار ، لكنه لا يستطيع أن يقبل بأن يتحول هذا الدور إلى وصاية على مستقبله السياسي أو إلى إعادة صياغة لشرعيته الوطنية من خارج حدوده .
إن السودان يحتاج إلى دبلوماسية سودانية أكثر حضوراً ووضوحاً وجرأة .
فالسلام مطلوب ، والحوار مطلوب ، والحكم المدني الذي يختاره السودانيون عبر مسار وطني ديمقراطي مطلوب .
لكن الطريق إلى ذلك لا ينبغي أن يمر عبر تسوية تضع الدولة والتمرد على قدم المساواة ، أو تمنح الخارج حق تحديد من هو الشرعي ومن هو غير الشرعي ، أو تجعل الهدنة مدخلاً لإعادة هندسة الدولة قبل أن تتوقف الحرب وتُصان سيادتها .
لقد آن الأوان لكي تقول الخرطوم لشركائها الدوليين بوضوح : نعم للسلام ، نعم للحوار ، نعم للانتقال المدني ، ولكن لا لإعادة تعريف الدولة السودانية باعتبارها مجرد طرف في الحرب ، ولا لتحويل التمرد إلى شريك مساوٍ للدولة في أصل الشرعية .
فالسودان يمكن أن يقبل الوساطة ، وأن يرحب بالسلام ، وأن ينفتح على العالم ، من دون أن يتنازل عن حقه في أن يقرر السودانيون وحدهم شكل دولتهم ومستقبل نظامهم السياسي .
وهذه ليست قضية حكومة أو قيادة أو مؤسسة بعينها ؛ إنها قبل كل شيء قضية دولة وسيادة ومستقبل وطن يملك الحق في تحديد مصيره .
