كلام صريح
سمية سيد
في العام ١٩٩٤ وعلى عهد لص أفريقيا الذي بنى لنفسه بيتا من الذهب دخلت دولة الكنغو الديمقراطية مرحلة الانهيار الكامل وليست مجرد ازمة اقتصادية عابرة
صحيح كانت الكنغو ( زائير) تعاني من حروبات قبلية وأهلية لكنها لم تكن بحجم الحروبات الطاحنة التي تبرر الانفلات والفوضى التي شهدتها البلاد حتى نهاية عهد موبوتو سيسيسيكو عام ١٩٩٧ حيث تحول التعامل بالدولار من مجرد أداة حماية مؤقتة أثناء الأزمة إلى عادة سلوكية ومؤسسية لدى المواطنين والشركات. بل نسى الناس التعامل بالعملة الوطنية وأصبح التداول حتى في البقالات لشراء الاحتياجات اليومية للأسرة بالدولار .
وعندما سقط نظام موبوتو عام ٩٧ وتأسست عملة “الفرنك الكونغولي” الجديدة، كانت ثقافة “الدولرة” قد تجذرت تماماً، وظل الدولار هو العملة المفضل استخدامها في المعاملات الكبيرة، والصغيرة والمدخرات، وعقود الإيجار، مما خلق كارثة اقتصادية ظهرت في معدلات تضخم التي تجاوزت عدة الآف في المائة ، وكان شعار ( دبر حالك ) هو الوسيلة الأوسع انتشارا في سبل كسب العيش مما جعل الفساد والرشوة وسيلة العيش اليومية لقطاع الموظفين .وحتى عندما طرحت الحكومة عملة جديدة رفضها الشعب واندلعت أعمال عنف في كنشاسا ومعظم المدن .
الشعب السوداني يعي تمام ظروف الحرب والعدوان التي قادت البلاد لعدم الاستقرار الاقتصادي ، ويعي تماما ان ما وصلت اليه بلادنا من تدهور اقتصادي مريع ليس بدوافع الحرب وحدها .
سوء ادارة الموارد والتخبط والعشوائية في السياسات والقرارات الاقتصادية لم يكن بعيدا عن ما حدث ، كذلك تحكم فئة قليلة من اصحاب المصالح في التأثير على صناعة القرار الاقتصادي ايضا لم تكن بعيدة عن الأزمة.
الان نحن ليس ببعيدين عن اوضاع الكنغو في التسعينات، قد تذهب لشراء الخبز ويرفض صاحب الفرن استلام الجنيه ويطالبك الدفع بالدولار .
خرجت الكنغو من الفوضى الاقتصادية في فترة حكم ما بعد موبوتو ، ونجحت في اتخاذ سياسات الحماية المالية بمنع تكرار سيناريوهات الانهيار للعملة في التسعينات ، وذلك من خلال سياسات امتصاص السيولة والتدخل المباشر من قبل البنك المركزي بسحب السيولة الزائدة بالعملة المحلية من السوق عبر ضخ كميات كبيرة من الدولار الأمريكي من الاحتياطي الاجنبي لمحاصرة المضاربات .ورفعت سعر الفائدة للحد من التضخم ، والزمت شركات التعدين بدفع الضرائب . والزمت المعاملات الإلكترونية والتسعير بالعملة الوطنية ومنعت المتاجرة واجهزة الدفع الإلكتروني من اي تعاملات بالدولار ، وحظرت تسعير السلع والخدمات بالدولار وفرضت عقوبات قاسية جدا وفعلت الرقابة خاصة على الصرافات الغير رسمية.
هذه السياسات أدت إلى تقليص الفجوة بين السعر الرسمي والموازي للدولار ، واضعفت المضاربات وقللت الضغط على سعر الصرف وحققت استقرارا لا باس به في قيمة الفرنك الكونغولي .
صحيح ان الكنغو لم تتمكن حتى الان من بناء اقتصاد التنمية المأمول ، ولم تتمكن من بناء نظم الحماية من صدمات الأسواق العالمية لكن بالمقارنة مع اوضاع التسعينات فهي تسير في الاتجاه الصحيح .
السؤال الذي يفرض نفسه
هل في السودان لدينا الإرادة السياسية والجرأة في اتخاذ قرارات اقتصادية تنتشل البلاد من ظاهرة الدولرة الغير مسبوقة إلى عمليات اصلاح شامل بعيدا عن جماعات ولوبيهات الضغط السياسي والاقتصادي وتقاطع المصالح بما يضمن الخروج من النفق المظلم ؟
ام ننتظر نهاية عهد حكومة ( موبوتو السودان ) كامل ادريس .. عسى ولعل..
عن اخبار السودان
