قيامة المعارف: حين تُعيد (أفريقيا) رسم خريطة الدنيا وتفكيك الخداع العالمي

دخل علي ابني محمد الهاشمي متحمساً وهو يقول: “تم التصويت في الأمم المتحدة بتغيير الخريطة”، فلقد كان يتابع موضوع خريطة العالم باهتمام كعادته… غصتُ أنا في ذاكرتي أيام حصة الجغرافيا التي كنت أحبها في ذلك الزمان الجميل في مدارس معهد التربية بخت الرضا، وتحديداً مدرسة الدويم الريفية، وصوت التربوي سند محمد متولي بتلك النبرة التي تبين أسماء البحار والدول والأقاليم الجغرافية في جميع أنحاء الدنيا وتلك الأقاصي البعيدة؛ فهي لا تزال ترن في أذني بكل تلك الأسماء والمسميات الرنانة.. فتلميذ ذلك الزمان كان ملماً بحب ورغبة في المعرفة والعوالم الجديدة التي يتعرف عليها، وفي تقديري هذا ما افتقدته أجيال المناهج اللاحقة التي تم تغييرها للأسف في إحدى دورات الحماس غير الناضجة التي تعتري أهل السياسة في بلادنا. فكم جلسنا نرسم خريطة العالم وخرطاً أخرى لا تزال عالقة في الذاكرة.. وإلى اليوم نرسم خريطة وطننا الكبير السودان القديم الموحد ونحن مغمضو العيون بتعرجاتها في كل أطرافها، وهو أمر يستعصي اليوم علينا خاصة جنوباً، ليس لعدم جمالها بصرياً فحسب، بل وجداناً ومحبة.

فلقد جاء في خبر “سي إن إن” عن تصويت الجمعية العامة للأمم المتحدة أمس الجمعة لصالح اعتماد خريطة عالمية جديدة تعكس الأحجام النسبية الحقيقية للدول بأغلبية كاسحة للمقترح الذي تقدمت به دولة توغو نيابة عن القارة الأم أفريقيا وجزر الباهاما، وتدعمهما ١٦٤ دولة، عدا أمريكا التي وقفت وحيدة معارضة، مع حياد ٦ دول امتنعت عن التصويت. ويهدف القرار إلى تقديم تمثيل (منصف) لمناطق العالم، ولا سيما أفريقيا، مشيراً إلى أن التشوهات الموجودة في الخريطة العالمية الحالية أدت إلى (تقزيم رمزي) للقارة في المخيلة الجماعية ليفوز القرار بإعادة رسم خريطة الدنيا واستبعاد اثر اسقاط ميركاتور الذي يضخم قارات وجزر الشمال بصورة مضللة.

وفي تقديري بأن هذه هي مرحلة زحزحة أولية ومقدمات لأثر زمان (قيامة المعارف) الذي أتحدث به في كل كتاباتي، فهناك الكثير المثير القادم في موضوع رسم الخريطة، والأهم (حقيقة الأرض ذاتها) مع تراخي قبضة (سلطة المعرفة) على المناهج والمقررات والخداع العالمي الكبير.. فهي مجاهدة وإن بدأتها اليوم قوى استنارة قارتنا الأم أفريقيا التي نغيب نحن عن محافلها المؤثرة بسبب تقزم وتقصير نخب مجتمعاتنا المتنوعة واعتناقها لغة السلاح التي أوصلتنا لمأساتنا الحالية حرباً بدلاً عن خيارات أخرى بحثاً عن ممسكاتنا الحضارية، إلا أنني على يقين بأننا لدينا في قيامة المعارف هذه والأوبة الكبرى في الدنيا نصيب الأسد في مقبل موجاتها، وهو ذات اليقين بأن المحرك لكل ذلك كان من أثر طرقات نادر بحوث حفريات المعرفة الأصيلة التي ستقود بلاشك امواج الاصلاح بالحق والحقيقة وصولا لاجمل سنوات الوجود في الحياة الدنيا.

#محمد_الامين_ابوالعواتك
#محبه_استناره