الخرطوم :اخبار السودان
دعت ورشة حول «واقع الصحفيين في السودان بين الضغوط المهنية والالتزام الأخلاقي» إلى اتخاذ حزمة من الإجراءات العاجلة لإنقاذ المؤسسات الصحفية وتعزيز قدرتها على الاستمرار، بالتزامن مع تسريع التحول الرقمي وتطوير التشريعات المنظمة للعمل الإعلامي.
واختتم مركز الفضاء العالمي للثقافة والإعلام أعمال الورشة بتقديم 39 توصية إلى وزير الثقافة والإعلام والسياحة بولاية الخرطوم، الطيب سعد الدين، نيابة عن والي الخرطوم، بهدف وضع معالجات عملية للتحديات الاقتصادية والمهنية والتشريعية التي تواجه الصحافة السودانية.
خمس أوراق تناقش واقع الصحافة
وناقشت الورشة خمس أوراق عمل قدمها عدد من الخبراء، بينهم الأستاذ عبد الماجد عبد الحميد، والدكتور طارق عبد الله، والأستاذ أبو عبيدة عبد الله، تناولت الضغوط المهنية التي تواجه الصحفيين، ودور المؤسسات والتنظيمات المهنية في تعزيز أخلاقيات المهنة وحماية الصحفيين، إلى جانب الظواهر السالبة وتحديات الصحافة الورقية والتحول الرقمي.
وأجمع المشاركون على أن الأزمة التي تواجه الصحافة السودانية لم تعد مرتبطة بعامل واحد، بل تتداخل فيها الضغوط الاقتصادية والتشريعية والمهنية، الأمر الذي يستدعي إصلاحاً متكاملاً يواكب التحولات التي تشهدها صناعة الإعلام.
دعم حكومي وإعفاء مدخلات الإنتاج
وطالبت الورشة بتقديم دعم حكومي مؤقت لمدخلات الطباعة، وإعفاء الورق والأحبار من الجمارك والضرائب، إلى جانب إنشاء صندوق لدعم المؤسسات الصحفية خلال مرحلة التعافي.
كما دعت إلى تبني نموذج «الصحيفة المزدوجة» الذي يجمع بين النسخة الورقية والمنصات الرقمية، وتنويع مصادر الإيرادات عبر الاشتراكات والإعلانات الإلكترونية، وتحسين شبكات التوزيع بالشراكة مع شركات متخصصة في الخدمات اللوجستية.
وشملت التوصيات تشجيع الاستثمار في الصحافة الاستقصائية، وتدريب الصحفيين على إنتاج المحتوى الرقمي متعدد الوسائط، ومنح حوافز ضريبية للقطاع الخاص لتشجيعه على الإعلان في الصحف، إلى جانب تعزيز ثقة الجمهور بالمؤسسات الإعلامية من خلال الالتزام بالاستقلالية والمهنية.
التحول الرقمي «ضرورة حتمية»
وأكدت التوصيات أن التحول الرقمي أصبح ضرورة حتمية لاستمرار الصحافة، مطالبة بمراجعة التشريعات بما يتلاءم مع طبيعة الإعلام الرقمي، ومعالجة النصوص المرتبطة بالعمل الصحفي في القانون الجنائي، وتوحيد جهات التقاضي في القضايا الإعلامية.
كما أوصت بمراجعة المصطلحات القانونية الفضفاضة، بما في ذلك ما يتعلق بـ«الأمن القومي»، لمنع استخدامها بصورة قد تقيد العمل الصحفي أو تؤدي إلى تعطيل المؤسسات الإعلامية.
ودعت كذلك إلى تعزيز استقلالية المجلس القومي للصحافة والمطبوعات من خلال مراجعة هيكل تشكيله وتقليل تبعيته للسلطة التنفيذية، إلى جانب تحسين البيئة الاقتصادية للصحافة عبر الإعفاءات والحوافز المتعلقة بمدخلات الإنتاج.
ستة مسارات لمواجهة تحديات الإعلام الرقمي
وفي الجانب المهني، حددت الورشة ستة مسارات لتطوير أداء الصحفيين والمؤسسات الإعلامية، شملت رفع القدرات في السرد الرقمي والتحقق من تقنيات التزييف العميق، وتنويع مصادر الدخل، وتطوير المحتوى بما يتناسب مع خوارزميات المنصات الرقمية دون التضحية بالعمق الصحفي.
كما أكدت أهمية تعزيز أمن المعلومات وحماية المصادر، وإنشاء غرف متخصصة للتدقيق والتحقق من الأخبار والمعلومات لمواجهة انتشار الأخبار الزائفة والمضللة، فضلاً عن تحقيق التوازن بين سرعة النشر والسبق الصحفي والالتزام بأخلاقيات المهنة.
الورقي لا يغيب والرقمي يفرض نفسه
وخلصت الورشة إلى أن مستقبل الصحافة السودانية لا ينبغي أن يقوم على المفاضلة بين الورقي والرقمي، وإنما على التكامل بينهما، معتبرة أن العودة إلى الطباعة وحدها لا تكفي لضمان استمرارية المؤسسات الصحفية.
وأكدت أن الصحافة الورقية لا تزال تمثل جزءاً مهماً من المشهد الثقافي والإعلامي، بينما أصبح التحول الرقمي واقعاً لا يمكن تجاهله، الأمر الذي يتطلب إعادة صياغة نماذج العمل والإنتاج والتمويل والتوزيع بما يتلاءم مع البيئة الإعلامية الجديدة.
وشددت التوصيات على أن نجاح عملية التعافي يتطلب شراكة بين الحكومة والقطاع الخاص والمؤسسات الإعلامية والتنظيمات المهنية للصحفيين، بهدف توفير بيئة اقتصادية وتشريعية ومهنية تضمن استمرار الصحافة وتعزز دورها في التنوير وخدمة المجتمع وترسيخ الحق في المعرفة.
الوزير: ندعم عودة الصحافة الورقية
وأكد وزير الثقافة والإعلام والسياحة بولاية الخرطوم، الطيب سعد الدين، خلال تسلمه توصيات الورشة، دعم الوزارة لعودة الصحافة الورقية، مشيراً إلى أنها تمثل «وثيقة رسمية».
ودعا إلى تكوين لجنة من اتحاد الصحفيين للجلوس مع الأجهزة الحكومية، بهدف مناقشة التوصيات وتحديد الجهات المسؤولة عن تنفيذها، وتوزيع الاختصاصات بين حكومة الولاية والاتحاد والجهات ذات الصلة.
وتفتح توصيات الورشة الباب أمام نقاش أوسع بشأن مستقبل الصحافة السودانية خلال مرحلة التعافي، في ظل الحاجة إلى إعادة بناء المؤسسات المتضررة وتحسين بيئة العمل الصحفي، والانتقال من معالجة آثار الأزمة إلى بناء صناعة إعلامية أكثر استدامة وقدرة على مواكبة التحول الرقمي.
