حوار عن الشرعية مع المهندس عمر الدقير: الخلاف في التوصيف لا في الوقائع

مصطفى عبدالعزيز البطل
……….

في حوار هاتفي استكملناه عبر الواتساب، قدّم لي الحبيب المهندس عمر الدقير شرحاً وافياً لوجهة نظره بشأن توصيف التطورات التي أعقبت «انقلاب تصحيح المسار»، كما سمّاه آباؤه، وذلك في سياق تعليقه على منشوري أمس.

أراد المهندس الدقير أن يظل هذا الحوار بيننا، وكان ردي عليه أنني أفضل أن ألتزم نهج التقوى في المناظرة، وأن أضع وجهة نظره كما شرحها لي جنباً إلى جنب مع ما ورد في منشوري، فاستجاب وكتب فله مني التقدير والود والمحبة التي يعرفها.

وخلاصة ما عندي، وأنا أطوي صفحة هذا المنشور، أن ما ذكرته فيه صحيح ودقيق تماماً من الناحية التقنية والإجرائية، فقد وافق الدكتور عبدالله حمدوك بالفعل على الاستمرار في منصب رئيس الوزراء، بعد وساطة السيدين فضل الله برمة ناصر والواثق البرير، وقاد بالفعل حكومة مدنية ضمّت بعض وزراء الحكومة السابقة، إلى جانب آخرين جرى تكليفهم، واستمرت هذه الحكومة المدنية إلى أن انتهت باستقالة رئيسها.

أما الحبيب عمر فإنه ينزع عن حكومة حمدوك الثالثة هذه مشروعيتها، ويجعل وجودها كعدمها، انطلاقاً من موقفه من عدم مشروعية انقلاب «تصحيح المسار»، على أساس ان ما بني على باطل فهو باطل.

الخلاف اذن ليس، في جوهره، حول الوقائع التقنية والإجرائية، وإنما حول التوصيف السياسي والدستوري والشرعية التي قد تُسبغ على تلك الوقائع أو تُنزع عنها. وهذا تمييز مهم، إذ يمكن للواقعة أن تكون ثابتة من الناحية الإجرائية، بينما يختلف الناس في توصيفها وفي الآثار السياسية والدستورية المترتبة عليها!
………………

أطروحة المهندس عمر الدقير:

قرأت تعليقك على حديث السفير الحارث إدريس أمام مجلس الأمن. وكنت قد كتبت قبلك حول الموضوع نفسه، ولعلّك اطلعت على ما كتبت، كما اطلعت على كتابات آخرين في السياق ذاته، فجاء تعليقك مناقشاً لهذه الآراء مجتمعة.

أعتقد أن المسألة أبسط مما ذهبت إليه، لأنها لا تحتاج إلى تأويل، وإنما إلى ترتيب الوقائع بحسب تواريخها.

قال السفير الحارث إن القوات المسلحة لم تصل إلى السلطة عبر انقلاب، وإن الحكومة المدنية استقالت طوعاً، فنشأ فراغ كان لزاماً ملؤه. والخلاف هنا ليس حول ما إذا كان عبدالله حمدوك قد استقال لاحقاً أم لا؛ فهذا أمر معلوم، وإنما حول الواقعة التي أوصلت القوات المسلحة إلى السيطرة على السلطة في ٢٥ أكتوبر ٢٠٢١.

في ذلك اليوم لم تكن هناك حكومة مستقيلة، ولم يكن هناك فراغ دستوري. كان هناك رئيس وزراء قائم وحكومة قائمة بموجب الوثيقة الدستورية. ثم جرى اعتقال رئيس الوزراء وعدد من الوزراء، وحُلَّ مجلس الوزراء ومجلس السيادة، وعُلِّقت مواد أساسية من الوثيقة الدستورية، وأُعلنت حالة الطوارئ. وهذه ليست روايتي ولا رواية قوى سياسية بعينها، بل هي الإجراءات التي أعلنها الفريق أول عبد الفتاح البرهان بنفسه في ذلك اليوم.

أما ما استندت إليه من أحداث لاحقة، فهو يؤكد هذا التسلسل ولا ينفيه. عبدالله حمدوك لم «يستمر» رئيساً للوزراء بصورة طبيعية من ٢٥ أكتوبر إلى ٢ يناير؛ فقد أقيل وحُلَّت حكومته، ثم عاد إلى منصبه في ٢١ نوفمبر بموجب اتفاق سياسي جديد مع الفريق البرهان، قبل أن يستقيل في ٢ يناير ٢٠٢٢. والاستقالة التي وقعت في يناير لا يمكن، منطقاً ولا تاريخاً، أن تكون سبباً لما حدث قبلها في أكتوبر.

وهنا تكمن مشكلة رواية السفير الحارث: إنها تضع الاستقالة اللاحقة في موضع المقدمة السابقة، فتبدو القوات المسلحة كأنها لم تستولِ على سلطة قائمة، وإنما وجدت فراغاً بعد استقالة المدنيين فاضطرت إلى ملئه.

وحتى مجلس الأمن، الذي خاطبه السفير الحارث، وصف ما جرى في ٢٥ أكتوبر، بعد ثلاثة أيام فقط، بأنه “استيلاء عسكري على السلطة”، وطالب بإعادة الحكومة المدنية الانتقالية. كما وصفه الأمين العام للأمم المتحدة صراحةً بأنه انقلاب عسكري، وعلّق الاتحاد الأفريقي عضوية السودان بسبب استيلاء العسكريين على السلطة.

لذلك فالسؤال ليس: هل استقال حمدوك في ٢ يناير؟ نعم، استقال. ولا: هل استقال بعض الوزراء بعد ٢٥ أكتوبر؟ نعم، حدث ذلك أيضاً.

السؤال هو: ماذا حدث في ٢٥ أكتوبر نفسه؟

هل استقالت الحكومة أولاً، فنشأ فراغ ملأه الجيش؟ أم أُطيح بالحكومة واعتُقل رئيسها وحُلّت مؤسساتها، ثم جاءت بعد ذلك بأسابيع ترتيبات جديدة انتهت باستقالة حمدوك؟

التواريخ هنا واضحة .. أتفق معك في أن “الوقائع لا تُصحَّح بالصراخ”؛ وأضيف فقط: كما أنها لا تتغير بتبديل ترتيبها.

ويبقى ان اختلاف الرأي لا يفسد للود قضية.