الخرطوم :اخبار السودان
أثار توضيح صادر عن بنك السودان المركزي في 12 أغسطس 2026 بشأن تعزيز الاستقرار في سوق النقد الأجنبي نقاشاً واسعاً وسط المصدرين والمتعاملين في القطاع الخاص، بعد سماحه للمصارف بشراء حصائل الصادر بالسعر الذي تعلنه، بالنسبة لعمليات الصادر التي مولتها، مع استمرار التعامل بالسعر اليومي المعلن من البنك المركزي بالنسبة لحصائل الصادرات الأخرى غير الممولة مصرفياً.
وبينما تبدو الخطوة، في ظاهرها، محاولة لمنح المصارف التجارية مرونة أكبر وتشجيعها على تمويل عمليات الصادر، يطرح قطاع الصادرات تساؤلاً أساسياً حول ما إذا كانت المعالجة ستؤدي فعلاً إلى زيادة التمويل والصادرات، أم أنها قد تفضي إلى نشوء سوق لحصائل الصادر بسرعتين وأسعار مختلفة.
مرونة للمصارف وتمييز بين المصدرين
وفقاً للتوضيح، أصبح المصدر الذي يحصل على تمويل مصرفي في وضع مختلف عن المصدر الذي يمول عملياته من رأسماله الخاص.
فحصيلة الصادر الممول مصرفياً يمكن للمصرف شراؤها بالسعر الذي يعلنه، بينما تظل حصيلة المصدر الذي استخدم موارده الذاتية خاضعة لسعر الصرف اليومي الذي يعلنه البنك المركزي.
ويرى مصدرون أن هذا التمييز يثير تساؤلات بشأن عدالة السياسة، باعتبار أن رأس المال الخاص الذي يتحمل منفرداً مخاطر شراء السلعة والإنتاج والتجهيز والنقل والشحن والتصدير لا يحصل على المرونة ذاتها الممنوحة للعملية التي مولها المصرف.
وتبرز هنا مفارقة، إذ إن المصدر الممول ذاتياً يخفف في الأساس العبء على الجهاز المصرفي، من خلال تمويل دورة الصادر من موارده الخاصة ثم إعادة نقد أجنبي إلى البلاد ناتج عن عملية تصدير حقيقية.
من سيشتري الحصيلة الأعلى سعراً؟
إشكالية أخرى يثيرها القرار تتعلق بالمستورد، باعتباره أحد أهم مصادر الطلب على حصائل الصادرات.
فإذا أدى السماح للمصارف بتحديد سعر شراء حصائل الصادرات الممولة منها إلى ارتفاع سعر تلك الحصائل مقارنة بحصائل الصادرات الممولة ذاتياً، فإن السؤال يصبح: ما الذي سيدفع المستورد إلى شراء الحصيلة الأعلى سعراً، إذا كانت أمامه حصيلة أخرى بسعر أقل؟
فالمستورد، بوصفه متعاملاً تجارياً، سيبحث بطبيعة الحال عن أقل تكلفة متاحة للحصول على النقد الأجنبي، طالما كانت الخيارات القانونية متاحة أمامه.
وبالتالي، فإن وجود حصيلتين بأسعار مختلفة قد يدفع الطلب بصورة طبيعية نحو الحصيلة الأرخص، وهو ما قد يحد من قدرة المصارف على تصريف الحصائل الأعلى سعراً التي اشترتها من عمليات الصادر الممولة منها.
وهنا تظهر مفارقة السياسة: المصرف يحصل على مرونة أكبر لتشجيعه على تمويل الصادرات، لكنه قد يجد نفسه في المقابل حائزاً على حصيلة اشتراها بسعر أعلى وتحتاج إلى مشترٍ مستعد لدفع السعر نفسه.
المستورد يستطيع تمرير التكلفة.. والمصدر لا يستطيع
يشدد النقاش داخل قطاع الأعمال على ضرورة الفصل بين وضع المصدر والمستورد عند صياغة سياسات النقد الأجنبي، إذ لا يتحرك الطرفان في البيئة الاقتصادية نفسها.
فالمستورد يمتلك، في الغالب، مساحة أكبر للتعامل مع تغير سعر الصرف، لأنه يستطيع احتساب تكلفة العملة الأجنبية ضمن تكلفة السلعة المستوردة، ثم إعادة تسعير البضاعة محلياً وفق تكلفة الاستيراد وسعر السوق عند البيع.
وحتى في حال بقاء البضاعة داخل المخازن لفترة، فإن إعادة تسعيرها وفق المتغيرات الجارية في السوق تمنح المستورد قدرة أكبر على امتصاص ارتفاع تكلفة النقد الأجنبي.
أما المصدر فيواجه معادلة مختلفة.
فهو يشتري السلعة محلياً ويتحمل تكاليف الإنتاج والتجهيز والنقل والرسوم والشحن والتمويل والتصدير، لكنه عند وصوله إلى السوق الخارجية لا يستطيع ببساطة إضافة ارتفاع تكلفته إلى سعر البيع.
السوق العالمية لا تنتظر ارتفاع تكلفة المصدر السوداني، وإنما تحكمها أسعار دولية ومنافسون من دول أخرى.
وإذا ارتفعت تكلفة السلعة السودانية نتيجة سياسات سعر الصرف أو الرسوم أو تكاليف التمويل والنقل، فقد لا تكون النتيجة ارتفاع سعر بيعها في الخارج، وإنما تراجع قدرتها على المنافسة وفقدان أسواقها.
لماذا يجب الفصل بين الصادر والوارد؟
من هنا تتصاعد المطالب داخل قطاع الأعمال بضرورة الفصل بصورة أوضح بين السياسات المتعلقة بالصادرات وتلك الخاصة بالواردات.
فالمستورد يحتاج إلى النقد الأجنبي لشراء سلعة من الخارج وبيعها في السوق المحلية، بينما يدخل المصدر سلعة سودانية إلى سوق عالمية ويعيد مقابلها نقداً أجنبياً إلى الاقتصاد الوطني.
لذلك، فإن أي سياسة لسعر الصرف يفترض أن تراعي اختلاف المخاطر والدور الاقتصادي لكل نشاط، بدلاً من التعامل مع الصادر والوارد باعتبارهما وجهين متماثلين للعملية نفسها.
الحصيلة الأرخص.. ميزة للمستورد
ويرى متعاملون في القطاع الخاص أن المستورد قد لا يكون المتضرر الأساسي من وجود أكثر من سعر لحصائل الصادرات.
فإذا وجد حصيلة صادرات ممولة من رأس المال الخاص بسعر أقل، فمن المنطقي اقتصادياً أن يفضلها على الحصيلة الناتجة عن التمويل المصرفي الأعلى سعراً.
وفي الحالتين يستطيع المستورد إدخال تكلفة النقد الأجنبي ضمن تكلفة بضاعته وإعادة تسعيرها في السوق المحلية.
وبذلك قد ينتقل جانب من كلفة الاختلال إلى المصدر والمنتج، قبل أن يصل في نهاية الدورة إلى المستهلك.
سلسلة الضرر تبدأ من المنتج والمصدر
عندما يحصل المصدر على عائد أقل من القيمة الاقتصادية التي يتوقعها لحصيلته، تتراجع قدرته على شراء المحصول من المنتج بسعر مجزٍ.
وعندما ينخفض العائد المتوقع للمنتج، تتراجع الحوافز على زيادة الإنتاج.
ومع تراجع الإنتاج والصادرات، تنخفض موارد البلاد من النقد الأجنبي، ومع انخفاض المعروض من العملات الأجنبية تزداد الضغوط على سعر الصرف وترتفع تكلفة الاستيراد.
وفي نهاية هذه السلسلة يتحمل المواطن جزءاً كبيراً من التكلفة عبر ارتفاع أسعار السلع والخدمات.
وعليه، فإن تحفيز المصدر لا يمثل امتيازاً لفئة من رجال الأعمال، بقدر ما يمكن أن يكون جزءاً من سياسة تستهدف زيادة الإنتاج، وتوسيع قاعدة الصادرات، وتعزيز تدفقات النقد الأجنبي.
رأس المال الخاص يحتاج إلى التحفيز أيضاً
تبرز في هذا السياق قضية رأس المال الخاص المستخدم في تمويل الصادرات.
ويرى عدد من المصدرين أنه من الصعب اقتصادياً تشجيع التمويل المصرفي للصادرات، وفي الوقت نفسه عدم منح رأس المال الخاص الذي يؤدي الوظيفة نفسها معاملة مماثلة عند شراء حصيلة النقد الأجنبي.
فكلاهما يمول عملية تنتهي بإدخال عملة أجنبية إلى البلاد.
بل إن التمويل الذاتي للصادرات يوفر موارد الجهاز المصرفي لاستخدامها في أنشطة اقتصادية أخرى، ما يجعل تشجيعه مكملاً للتمويل المصرفي وليس بالضرورة منافساً له.
توسيع المرونة بدلاً من إلغائها
ولا تتمثل المطالبة داخل قطاع الصادرات في التراجع عن المرونة التي منحها البنك المركزي للمصارف.
على العكس، يمكن النظر إلى الخطوة باعتبارها بداية لمعالجة مشكلة سعر حصائل الصادر، لكن المطلوب، وفق هذا الطرح، هو توسيع المرونة لتشمل حصائل الصادرات غير الممولة مصرفياً أيضاً.
ومن شأن ذلك ألا يصبح مصدر التمويل العامل الأساسي الذي يحدد القيمة التي يحصل عليها المصدر مقابل النقد الأجنبي الذي أدخله إلى البلاد.
كما يمكن أن يسهم توحيد المعاملة في تحقيق قدر أكبر من العدالة بين المصدرين، وزيادة جاذبية الجهاز المصرفي، وتقليل التشوهات بين أنواع الحصائل، وتشجيع المصدرين على إعادة مواردهم من النقد الأجنبي عبر القنوات الرسمية.
خلفية: سوق الصرف تحت ضغط الحرب
يأتي هذا الجدل في وقت يواجه فيه الاقتصاد السوداني ضغوطاً شديدة على سوق النقد الأجنبي، بعد أكثر من ثلاثة أعوام من الحرب التي أضعفت الإنتاج والتجارة وسلاسل الإمداد، وأثرت على تدفقات العملات الأجنبية.
وتظل الصادرات، وفي مقدمتها الذهب والسلع الزراعية والحيوانية، أحد أهم مصادر النقد الأجنبي للبلاد، في وقت تفوق فيه احتياجات الاستيراد قدرة الاقتصاد على توفير موارد كافية من العملات الأجنبية.
وخلال عام 2025، بلغت قيمة صادرات السودان نحو 2.64 مليار دولار، بينها صادرات ذهب بقيمة تقارب 1.54 مليار دولار، مقابل واردات بلغت نحو 6.49 مليار دولار، ما أوجد عجزاً تجارياً يقارب 3.86 مليار دولار.
وتعني هذه الفجوة أن زيادة الصادرات وإعادة حصائلها عبر القنوات الرسمية تمثلان عاملاً مهماً في دعم قدرة الجهاز المصرفي على توفير النقد الأجنبي وتمويل الواردات.
لكن استمرار الفجوة بين سعر الصرف الرسمي والأسعار المتداولة في السوق، إلى جانب ارتفاع تكاليف الإنتاج والنقل والتمويل، يجعل مسألة تسعير حصائل الصادر واحدة من أكثر القضايا حساسية أمام المصدرين والجهات النقدية.
من إدارة الحصيلة إلى زيادة إنتاج النقد الأجنبي
المشكلة الأساسية في سوق النقد الأجنبي السوداني لا تتعلق فقط بكيفية توزيع الموارد المتاحة، وإنما بكيفية زيادة إنتاج النقد الأجنبي نفسه.
والصادرات تمثل أحد أهم المصادر المستدامة لتحقيق ذلك.
ولهذا فإن النقاش الذي أثاره قرار بنك السودان المركزي يتجاوز مسألة سعر شراء حصيلة هنا أو هناك، إلى سؤال أوسع يتعلق بفلسفة السياسة الاقتصادية: هل الأولوية هي التحكم في حصائل الصادرات بعد وصولها، أم خلق سياسة تجعل المصدر أكثر رغبة في زيادة صادراته وإعادة أكبر قدر ممكن من حصائله عبر الجهاز المصرفي؟
فالبلاد تحتاج إلى المصارف لتمويل الصادرات، لكنها تحتاج كذلك إلى رأس المال الخاص، وإلى المنتج الذي يزرع وينتج، والمصدر الذي يتحمل المخاطر ويفتح الأسواق الخارجية.
والسياسة الأكثر فاعلية هي التي تجعل مصالح هذه الأطراف تلتقي عند هدف واحد: زيادة الإنتاج، وتوسيع الصادرات، وتعزيز تدفقات النقد الأجنبي عبر الجهاز المصرفي.
