الإيغاد تعود إلى الخرطوم… هل بدأ تصحيح المسار!؟
من عزلةٍ إقليمية إلى استعادة الدور المؤسس
السفير.د.معاوية البخاري
بالنظر الي التأرجح الذي خيم علاقات السودان بإيقاد على خلفيات الحرب المركبة التي تواجهها البلاد لما يربو عن الثلاثة أعوام وانعكاساتها على علاقاته الاقليمية ودول الجوار. لا يمكن النظر الي زيارة السيد.ورقني قبيهو، السكرتير التنفيذي للهيئة الحكومية للتنمية (الإيقاد) إلى السودان حدثًا بروتوكوليًا عابرًا، ولا يمكن قراءتها بمعزل عن التحولات العسكرية والسياسية التي شهدتها البلاد خلال العامين الماضيين. فهي تأتي في توقيت بالغ الدلالة، بعد مرحلة اتسمت بتوتر العلاقة بين الخرطوم والمنظمة، وتبادل الاتهامات بشأن طريقة إدارة ملف الأزمة السودانية والتدخلات غير الحميدة في الشأن السوداني الداخلي، حيث سعت بعض الأطراف داخلها وبضغوط خارجية أن تفرضها على البلاد، الأمر الذي انتهى عمليًا إلى تجميد دور الإيقاد في الوساطة، وتراجع حضورها في أحد أكثر الملفات تعقيدًا في الإقليم. والمساعي الدؤوبة للتمرد لاختراقها بمساعدة بعض الاعضاء وضرب الشرعية القائمة.
وبعيدًا عن تقييم المواقف السابقة للسكرتير التنفيذي، فإن مجرد حضوره إلى الخرطوم اليوم يمثل مؤشرًا على أن المنظمة نفسها بدأت تعيد قراءة المشهد السوداني وفقًا للوقائع الجديدة، لا وفقًا للتقديرات التي سادت في بدايات الحرب. والسردية التي سعى الراعي الاقليمي لعكسها عن قضية تعريف الحرب على السودان.
فالدبلوماسية، في نهاية المطاف، لا تبنى على الأمنيات، وإنما على موازين القوى والحقائق التي تفرضها التطورات على الأرض.
السودان والإيقاد… علاقة مؤسس لا متلقٍ
يغيب عن كثيرين أن السودان لم يكن عضوًا عاديًا داخل الإيغاد، بل كان أحد الدول المؤسسة التي أسهمت في تطوير المنظمة منذ نشأتها الأولى، عندما تأسست عام 1986 باسم الهيئة الحكومية لمكافحة الجفاف والتصحر، قبل أن تتحول عام 1996 إلى الهيئة الحكومية للتنمية (IGAD)، واستضاف مؤتمرها التأسيسي، لتصبح أحد أهم الأطر الإقليمية المعنية بالأمن والتنمية وتسوية النزاعات في القرن الأفريقي. بما فيها اتفاق السلام الشامل مع دولة جنوب السودان.
ولعب السودان عبر عقود أدوارًا محورية في ملفات جنوب السودان، والصومال، وإريتريا، وجيبوتي، وكان وسيطًا وشريكًا في كثير من مبادرات السلام الإقليمية، مستفيدًا من موقعه الجغرافي الذي يربط القرن الأفريقي بشمال أفريقيا والعالم العربي.
لذلك فإن أي تراجع في دور السودان داخل الإيغاد لم يكن خسارة للخرطوم وحدها، وإنما أضعف كذلك قدرة المنظمة وقادة المنطقة والاقليم على إدارة ملفات الإقليم بفاعلية وحيدة.
من الخلاف إلى القطيعة
مع اندلاع الحرب في أبريل 2023، دخلت العلاقة بين السودان والإيغاد واحدة من أصعب مراحلها.
فقد رأت الحكومة السودانية من الشواهد والتحركات التي جرت، أن بعض مواقف المنظمة، وبعض التصريحات الصادرة عن قيادتها، تجاوزت حدود الوساطة الإقليمية إلى تبني مقاربات لم تراعِ مبدأ سيادة الدولة وأمنها القومي أو طبيعة الحرب المفروضة عليه، الأمر الذي أدى إلى فقدان الثقة بين الطرفين، وتعليق مشاركة السودان في بعض اجتماعات المنظمة، وصولًا إلى حالة من الجمود السياسي والدبلوماسي.
وفي المقابل، خسرت الإيغاد دورها التقليدي كمنصة رئيسية لمعالجة الأزمة السودانية، لتفسح المجال أمام مسارات إقليمية ودولية أخرى أكثر تأثيرًا، وبذلك تراجع دورها الذي ينبغي أن يكون مساندا لتعزيز الامن والسلم والاستقرار الذي طال أحد أعضائها.
لماذا تتغير المواقف الآن؟
الإجابة لا تكمن في تغير الخطاب، وإنما في تغير الوقائع.
فالتحولات العسكرية التي شهدها السودان خلال الأشهر الأخيرة، واستعادة الدولة السيطرة على مساحات واسعة، وعودة مؤسساتها تدريجيًا للعمل، فرضت معادلة جديدة أصبح من الصعب تجاهلها، وهذا ما حمل قادتها للعدول عن ما ظل يعكس من وقائع لم تكن تعكس حقيقة مجريات الحرب وأثرها على السودان ودول الاقليم.
وقد أدركت كثير من العواصم الإقليمية والدولية أن أي تسوية مستقبلية لن تكون قابلة للحياة ما لم تنطلق من الاعتراف بشرعية الدولة والمؤسسات السودانية القائمة وبالواقع الذي أفرزته التطورات الميدانية.
وهنا تبرز زيارة السكرتير التنفيذي للإيقاد باعتبارها اعترافًا ضمنيًا بأن المنظمة مطالبة بإعادة تموضعها إذا أرادت استعادة دورها في الملف السوداني، وتصحيح ما كانت عليه نظرة قيادتها التنفيذية.
كسر العزلة الإقليمية
لم يكن السودان خلال العامين الماضيين يواجه حربًا عسكرية فقط، بل واجه أيضًا ضغوطًا سياسية ودبلوماسية إقليمية ودولية متعددة، تمثلت في تعليق عضويته في الاتحاد الأفريقي، وتعثر علاقته مع الإيغاد، وتراجع حضوره في عدد من المنابر الإقليمية، مما افقده القدرة على ابلغ صوته ورؤيته ازاء ما يعكس من سرديات وحراك يجافي واقع الاحداث.
وقد انعكس ذلك أيضا على قدرته في التأثير على القرارات الإقليمية، وعلى مستوى التنسيق السياسي مع محيطه الأفريقي.
ومن ثم، فإن أي انفتاح جديد مع الإيغاد لا ينبغي النظر إليه باعتباره مجرد مصالحة مع منظمة إقليمية، وإنما بوصفه خطوة في اتجاه كسر حالة العزلة السياسية التي فرضتها ظروف الحرب، واستعادة السودان لموقعه الطبيعي داخل المنظومة الأفريقية، وامساكه بزمام المبادرة الاقليمية، وهي مطلوبة بشدة في هذا التوقيت.
فرصة يجب ألا تضيع
غير أن نجاح هذه المرحلة لا يتوقف على تغيير موقف الإيغاد وحدها.
فالسودان مطالب أيضًا بالانتقال من سياسة ردود الأفعال إلى سياسة المبادرة، عبر إعادة بناء حضوره داخل المؤسسات الإقليمية، وتفعيل دبلوماسيته متعددة الأطراف، واستثمار التحولات الحالية لصياغة رؤية جديدة لعلاقاته الأفريقية، لانها الاساس في تغيير النظرة الدولية حيال مجريات الحرب وإفرازاتها.
فالمنظمات الإقليمية لا تُترك فراغًا، ومن يغيب عنها يترك المجال لغيره كي يصوغ السياسات والقرارات المتعلقة بمصالحه.
ولهذا فإن المطلوب اليوم ليس فقط استعادة المقعد، وإنما استعادة التأثير وبسط الرواية الوطنية وتثبيتها امام اي توجهات او مشروعات خارجية سعت لطمس الحقائق وتزييف الواقع.
نحو دور إقليمي جديد
إن السودان يمتلك من المقومات السياسية والجغرافية والاستراتيجية ما يؤهله لاستعادة دوره المحوري في القرن الأفريقي، شريطة أن يقترن النجاح العسكري برؤية دبلوماسية نشطة، تعيد بناء الثقة مع الشركاء الإقليميين، وتفتح صفحة جديدة مع المؤسسات الأفريقية، وفي مقدمتها الإيغاد والاتحاد الأفريقي.
فالزيارة الحالية ينبغي ألا تُقرأ باعتبارها نهاية لخلاف، وإنما بداية لمرحلة جديدة تقوم على الاحترام المتبادل، والاعتراف بسيادة الدول، والعمل المشترك لمواجهة تحديات الأمن والتنمية في الإقليم، والعمل الجماعي المشترك.
لقد أثبتت التجربة أن الخرائط السياسية قد تتبدل، وأن المواقف الدبلوماسية قد تتغير، لكن الثابت أن الدول التي تمتلك الإرادة والقدرة على الصمود هي التي تفرض نفسها في نهاية المطاف على طاولة الإقليم، ومعالجة آثار ما علق.
ولعل الرسالة الأهم التي تحملها هذه الزيارة هي أن السودان، الذي ساهم في تأسيس الإيقاد وصياغة كثير من مبادراتها، وإنجاح جهودها السابقة، لا ينبغي أن يبقى موضوعًا لسياسات المنظمة غير المنصفة، بل شريكًا أصيلًا في رسم مستقبلها. فاستعادة هذا الدور ليست مكسبًا للسودان وحده، وإنما ضرورة لاستقرار الجوار السوداني والقرن الأفريقي بأسره، لأن الإقليم لا يمكن أن يحقق معادلة الأمن والتنمية في غياب أحد أهم دوله المؤسسة وأكثرها تأثيرًا.وعلى القيادة السودانية ان تبني على مخرجات هذه الزيارة في استعادة دورها الطليعي بالمنظمة، ورصف الطريق تجاه الاتحاد الأفريقي لاستقامة علاقاتنا الاقليمية، بلوغاً الي الغايات الكبري في استكمال النصر وكل عوامل طي صفحة الحرب واستدامة السلام والاستقرار.
——————-
٣٠ يوليو ٢٠٢٦ م
