عواقب التفاوض بلا بصيرة استراتيجية: مأزق سد النهضة نموذجاَ

بقلم : خالد التجاني النور
نصف رأي / صحيفة إيلاف

1
لم نكد نطرح في مقالنا السابق سؤالاً إن كان للدولة السودانية عقلاً واعياً عارفاً بمصالحها الاستراتيجية مستنداً على نظرية شاملة للأمن القومي تحشد لها الوسائل القادرة على تحقيق منافعها ودفع مهدداتها، لم نكد نطرح هذا التساؤل بين يدي إعلان مجلس الأمن والدفاع انفتاحه على المبادرات الخارجية دون استحقاقات واشتراطات لازمة مفصلة تتجاوز العموميات، حتى برزت مجدداً معضلة سد النهضة من جديد على خلفية انحسار مياه النيل في الأسابيع الماضية لتدور عجلة التلاوم حول من يتحمل المسؤولية بشأن تبعة نهج التفاوض والاتفاقات التي وقعها السودان بشأنه.
2
ليتجدد السؤال الذي أثرناه حول عدم وجود ذاكرة سودانية مؤسسية للدولة لتجارب التفاوض حول مصالح البلاد الحيوية لتأخذ من عظتها وعبرتها حتى لا تكرر، وقد أثبت غالب تداعياتها أنها ظلت دوماً خصماً على مصالح السودان، بسبب فقدان الرؤية الاستراتيجية، وغياب نظرية للأمن القومي معرّفة لمصالح السودان، فضلاً عن تواضع نهج التفاوض المتسم بقصر النظر، وها هو مأزق سد النهضة يقف دليلاً ناصعاً آخر يرجّح صحة هذه الفرضية.
3

من الواضح أن خطأ فادحاً لازم نهج التفاوض السوداني منذ أن بدأت قضية سد النهضة في عهد حكم الإنقاذ الذي تعامل معها بقدر كبير من قصر النظر وانعدام الوعي بالأجندة الحقيقية لمشروع السد في استراتيجية الدولة الإثيوبية، واندفع الموقف الرسمي آنذاك بقوة وراء دعم المشروع الإثيوبي بحسبانه مسألة ذات طابع فني مجرد سيجني السودان منه فوائد جمة لا محالة، واتخذ القرار بدعمه حتى قبل أن تجرى دراسات كافية معمقة لفحص هذه الفوائد الفنية المرجوة، أو الآثار المترتبة على قيام السد في إطار أوسع.
وأوغلت السلطة الحاكمة في حماستها لدعم مشروع السد لدرجة الإطاحة بوزير الري حينها المهندس والخبير المرموق كمال علي، متجاهلة المكانة العلمية والخبرة العملية المرجعية في هذا المجال التي يتمتع بها التي تراكمت على مدار نصف قرن من الممارسة، وذلك على خلفية تحفظات معلنة له على النهج الإثيوبي في فرض مشروع السد دون أي مشاورات مسبقة، ومسارعة الخرطوم للقبول به بلا تأني لاعتبارات سياسية ظرفية، ودون أن تمنح فرصة لدراسة متأنية للأبعاد والتبعات المستقبلية لهذا المشروع الضخم.
4
وقع السودان في فخ “التفاوض” التقني منشغلاً بمسائل ذات طابع فني وقانوني لا يتعدى سقفها مسائل ترتيبات قواعد ملء بحيرة السد وتنسيق عمليات التشغيل بما يتواءم والسدود السودانية، وأنفق جهد كبير في هذا المسائل التي تبقى مع أهميتها جزء له اعتباره، في حين غابت عن ذهن التفاوض السوداني الصورة الأكبر للأجندة الأثيوبية الحقيقة التي تدثرت لنحو عشر سنوات تحت غطاء الجدل الفني، لتسفر بعد أن توطدت قواعد السد وأصبح أمراً واقعاً بعد تورط كلاً من السودان ومصر في اتفاقيات كفلت شرعية قيام السد، بمظنة أن أديس أبابا ستكون أكثر رأفة للتعاون معهما لاحقاً فيما يتعلق بالتوافق على قواعد الملء والتشغيل، وهو ما برعت إثيوبيا في لعبة كسب الزمن بمفاوضات باب دوّار غير منتجة حتى أصبحت السد حقيقة وأمراً واقعاً.
5
ولم تتردد إثيوبيا مطلقاً منذ انتهاء الملء الأول للسد في الإفصاح عن أجندتها الحقيقة من وراء إنشاء السد بتأكيد أن الصراع في حوض النيل الشرقي يتعلق في جوهره بمعادلة في استراتيجيتها تهدف إلى تغيير معطيات وحسابات التوازنات الجيو- سياسية في المنطقة لصالحها، وبالتالي فإن الغرض الأكبر من إقامة السد النهضة ليست لأغراض تنموية بحتة فحسب، بل بجسبانها قضية أمن قومي بامتياز لخدمة مصالحها الاستراتيجية، وتوظيف السد العملاق ليكون سلاح جيواستراتيجي لتعزيز هيمنتها في الفضاء الإقليمي بغرض تعديل توازناته السائدة لصالحها.
6
وهذا ليس تحليلاً بل هو عين ما صرح به وزير الخارجية الإثيوبي الأسبق جيدو أندارغاتشيو بوضوح وبدون مواربة في أعقاب إعلان أديس أبابا الملء الأول في 2020 دون أي اعتبار للتفاوض الذي كان لا يزال جارياً، قائلاً بأن هذه الخطوة “تغير التاريخ وقواعد الجغرافيا السياسية” في المنطقة، والمعنى واضح أنه لم يعد بوسع مصر ولا السودان الرهان على محددّات للأمن القومي أصبحت خارج نطاق سيطرتهما بتوظيف إثيوبيا السد لصالح نظريتها للأمن القومي وقد نجحت في فرض هيمنتها المائية على البلدين.
7
هذا التوجه في العقل الجيو- استراتيجي الإثيوبي والتطلع للعب دور خارجي مهيمن ليس وليد التطورات التي برزت بعد الإعلان عن قيام سد النهضة، بل مستمد من الإرث التاريخي لعقل الدولة الإثيوبية لا سيما في تجليها الإمبراطوري، فضلاً عن استمرار تعاظم الإحساس العميق بمظلومية حرمانها من الاستفادة من كونها منبع النيل الأزرق في وقت تتقاسم مصر والسودان مياهه باتفاقية 1959 دون مشاورتها، وهي مسألة ظلت تشكل هاجساً حاضراً في أجندة القادة السياسيين، وفي الوعي العام.
8
ففي لقاء صحافي مع الرئيس الإرتري أسياس أفورقي بأسمرا في مايو 2013، سألته عن رؤيته للصراع الإقليمي الذي أطلقه الإعلان عن تشييد سد النهضة، وروى في إجابته على سؤالي أنه في العام 1993 إبان قمة أفريقية في القاهرة نقل له الرئيس الراحل ملس زيناوي نيته فتح موضوع تذمر إثيوبيا بشأن وضعية مياه النيل مع القادة المصريين، وقال نصحته بألا يفعل لأن التوقيت غير مناسب في وقت لا يزالان يعملان كحليفين على تثبيت سلطتيهما.
وأفاد أسياس بأن زيناوي الذي لم يأخذ بنصيحته، حكي له بأنه تلقى رد فعل مصري غاضب على إثارته لهذه القضية على نحو اعتبره إهانة له، وماساً بكرامته، وقال أفورقي إن زيناوي بعد أن أبلغه بالواقعة أكد له أن إثيوبيا سترد على ما تعرضت له، وستحذو يوماً حذو تركيا في إشارة إلى فرض هيمنتها المائية ببناء سد أتاتورك في نهر الفرات الذي جاء على حساب العراق وسوريا وتعانيان اليوم من تبعاته.
9
والأنكى من ذلك أنه حتى في ظل حبس السودان لنفسه في “المأزق الفني” فإن الحكومة لا تزال عاجزة حتى عن تطوير أدواتها للتعامل مع القضية في هذا الإطار الضيق، فكأن كل هذه المخاطر التي تبينت لم تكن كافية لتصحو من غفلتها، ومن ذلك وبدلاًُ من تعزيز دور وزارة الري والموارد المائية للتعامل مع حقائق الأمر الواقع وتحدياته، اتخذ ذلك القرار الذي لا يمكن وصفه إلا بأنه عشوائي بامتياز بإلغائها ودمجها في وزارة الزراعة بلا حيثيات موضوعية، سوى تغيير شكلي بتقليل عدد الوزارات وكأن ذلك إنجازاً يعتد به دون اعتبار للمهام أو وعي بهذه التطورات الجيو- استراتيجية في المنطقة، وفي الواقع فإن قرار مجلس الوزراء رقم 170 لسنة 2025 بشأن اختصاص وسلطات الجهاز التنفيذي جاء مسخاً بلا إدراك للتطورات الجيوسياسية، ومجرد نسخ باهت للقرار 104 لسنة 2021 بالشأن نفسه عند تشكيل حكومة د. عبد الله حمدوك الثانية.
10
لم نبعد النجعة ونحن تناول أمر نهج التفاوض السوداني في شأن سد النهضة، فهذا ليس تاريخاً، بل من صميم انشغالنا في واقعنا اليوم بين يدي تحركات أجنبية بشأن التفاوض على مستقبل السودان، والخشية من تكرار غفلات كبرى أدت الاستهانة في التعامل معها باستحقاقاتها إلى مخاطر حقيقية هدّدت، ولا تزال تهدّد، مستقبل البلاد، في ظل عدم العناية بأخذ أسباب مراجعات مؤسسية مستندة على منهجية علمية وبحث قائم على الأدلة والبراهين في دراسة تجارب التفاوض السودانية في مجالات شتى، حتى لا تتكرّر الأخطاء ذاتها.
11
والدليل على ذلك أن غفلة تعامل الدولة مع ملف قضية سد النهضة، على الرغم من تغير ثلاث حقب حكم في السنوات القليلة الماضية، باقية قائمة محلك سر لم تنس شيئاً، ولم تتعلم شيئاً، فلا تزال الذهنية نفسها سائدة في التعامل مع القضية، وكأنها مجرد مسألة فنية جانبية، وقد ثبت أن هذا المشروع أبعد من كونه مجرد سد للطاقة الكهرومائية بغرض خدمة أجندة التنمية الإثيوبية، وقد تحول إلى أداة سياسية بامتياز لفرض معطيات استراتيجية جديدة تعيد تشكيل المعادلات الجيوسياسية وتوازنات القوة في المنطقة، وترسم دوراً جديداً يضمن لأديس أبابا ووزناً وهيمنة إقليمية بامتدادات تأثيراتها القارية والدولية، عبر استخدام السد كوسيلة ضغط لتحقيق هيمنة مائية تخضع السودان لقواعد لعبة جديدة تتجاوز مسألة المياه، وهو ما يتضح جلياً في الموقف الذي تتخذه إثيوبيا الداعمة للعدوان الأجنبي على السودان.

لقراء عدد اليوم من صحيفة إيلاف

https://drive.google.com/file/d/1h_4xReaZ3O89zkwqCosX3fIAmc4pcKlC/view?usp=sharing