حين يبكي المثقف ويغيب المقاتل

بقلم :مصطفى عبد العزيز البطل

قرأتُ قبل قليل كلمات للدكتور عبدالله علي إبراهيم بدا فيها شديد الانزعاج، حتى كاد يذرف الدمع، على الأخبار المتواترة عن مضي حكومة جنوب السودان قدماً في خطتها لضمِّ منطقة أبيي كأمرٍ واقع، بعد أن أعلنت إدراج كامل المنطقة ضمن الدوائر الجغرافية للانتخابات العامة التي تمضي خطوات إجرائها على قدمٍ وساق.

وسألتُ الدكتور: هل سمع بموقفٍ غاضب أو احتجاجٍ صريح من أبناء قبيلة المسيرية، الذين يُفترض أنهم أصحاب أبيي وحُماتها، تجاه هذه الخطوة التي انتزعت أرضهم عملياً وأخضعتها لإجراءات انتخابية جنوبية؟ أم أن أشاوس المسيرية ما يزالون منشغلين بمعاركهم الأخرى؛ يطوّقون الأبيض وما حولها، ويحلمون بانتزاع المزيد من المصاغ والحُلي والمجوهرات من معاصم النساء ونحورهن، بدلاً من الدفاع عن الأرض التي يفترض إنها أرضهم وقضيتهم الأولى؟!

ونصحتُ شيخي عبدالله، مخلصاً له النصح، ألا يُهدر دمعة واحدة على أبيي، فقد تجاوزتها الوقائع على الأرض. فإن كان لا بد من البكاء، فليذرف دمعاته على بيته في الخرطوم، وعلى ممتلكاته ومقتنياته ومكتبته وذكرياته التي نهبها عيال المسيرية يوم اقتحموا منزله، ثم تركوه قاعاً صفصفاً، لا يكاد يُرى فيه أثرٌ لما كان عامراً بالأمس!

ولعل السؤال الأجدر بالبكاء ليس: من الذي ضمَّ أبيي؟ بل: أين ذهب أصحابها وهي تُنتزع منهم عنوةً واقتدارًا، بينما هم منشغلون بقتال أهل الشمال، وسفك دمائهم، ونهب أموالهم!

في السياسة كما في الحياة، لا تحرس الأوطان المراثي، وإنما يحرسها رجالٌ لا تصرفهم الغنائم عن الحدود، ولا يقدّمون الغنيمة على الوطن!