المُبر محمود
تخبرك قائمة الأثرياء في أي دولة بحمضها النووي الاقتصادي بدقة تفوق كل التقارير الرسمية. فحين تجد على قمة الهرم المالي أصحاب المصانع، والمزارع، والصناعات الدوائية والغذائية، فأنت أمام دولة تكافئ الإنتاج وتصنع اقتصاداً حقيقياً. أما حين تتصدر القائمة أسماء ارتبطت ثرواتها بالقرب من السلطة، والدولار التفضيلي، والإعفاءات الجمركية، وتجارة الاستيراد، والاحتكارات، فأنت تقرأ وجهاً آخر للدولة؛ دولة لا تصنع تنمية حقيقية وإنما تمارس هندسة ثراء انتقائي يجعل قائمة أثريائها مرآة عاكسة بوضوح لخلل هيكلي في اقتصادها.
رأس المال بطبعه لا يعرف الوطنية، ولا يعرف الصناعة، ولا يعرف الزراعة؛ هو يعرف الربح فقط، والدولة الذكية هي التي تحدد أين يصبح الربح أكبر. فإذا رفعت سياساتها عائد الإنتاج، تدفقت الأموال إلى المصانع، والمزارع، والأنشطة التي تخلق قيمة مضافة، وتوسع الصادرات، وتوفر الوظائف. أما إذا جعلت السلع المستوردة، واقتصاد العلاقات، والدولار التفضيلي، أقصر طريق إلى الثراء، فلا تطلب من رأس المال أن يكون أكثر وطنية من السياسات التي تحكمه. فبسبب هذه التدابير الحكومية أصبحت قائمة الأثرياء في السودان لا تعبر عن حركة السوق وقوته بقدر ما تعبر عن منظومة الحوافز التي صممتها الدولة.
ولذلك، يصعب على من يتأمل أسماء كثير من الأثرياء الذين ظهروا خلال العقود الأخيرة أن يربط ثرواتهم بمنتج يعرفه الناس، أو مصنع كبير، أو مشروع زراعي رائد، أو دواء يحمل اسم شركاتهم، أو علامة تجارية نافست في الأسواق الخارجية. فالثروة موجودة نعم، لكنها كثيراً ما جاءت منفصلة عن أي قاعدة إنتاجية توازيها؛ وهذه نتيجة طبيعية لسياسات تصنع ثرياً واحد وتغلق عشرين مصنعاً.
الدول التي نجحت في بناء اقتصاداتها لم تترك اتجاه رأس المال للصدفة. فعلى سبيل المثال ربطت كوريا الجنوبية، منذ عهد الرئيس بارك تشونغ هي، التمويل والحوافز بحجم الصادرات وتوفير فرص العمل، بل كانت الحكومة تسحب الدعم وتضيق على الشركات التي تخفق في تحقيق أهدافها الإنتاجية والتصديرية. وفي تجارب دولية أخرى، أصبحت برامج الدعم والحوافز مشروطةً بمستهدفات اجتماعية، حيث تمنح الدولة إعفاءات ضريبية أو تسهيلات ائتمانية للشركات مقابل تعهدها بخلق عدد محدد من الوظائف المستدامة. وهنالك أيضاً ماليزيا التي وجهت الإعفاءات نحو التصنيع المحلي ونقل التقنية وتوظيف العمالة المحلية، وحتى إثيوبيا ألزمت بنوكها العامة بتمويل الأنشطة التي ترفع الإنتاجية. وفي المقابل، دفعت دولاً مثل نيجيريا ثمناً باهظاً عندما اعتمدت على اقتصاد البواخر القادمة من الخارج وأغرقت أسواقها بالواردات، فتراجعت صناعاتها المحلية واتسعت فاتورة الاستيراد، وزادت نسبة البطالة فيها، وتآكلت بنيتها الإنتاجية.
هذا النموذج الاقتصادي المشوه، لعب قطاعنا المصرفي دوراً محورياً في تشكيله. ففي كل البلدان الناجحة، تتجه القروض إلى الأنشطة التي توسع الطاقة الإنتاجية، وترفع الصادرات، وتخلق فرص العمل، لأن البنوك تربح حين يربح الاقتصاد. أما عندنا، فقد راكم كثير من رجال الأعمال بدايات ثرواتهم من قروض وتسهيلات قدمتها لهم البنوك، ومن ضمنها بنوك تملكها الدولة، وكان المنتظر أن تتحول تلك الأموال إلى أصول منتجة وتوسعات رأسمالية ومشروعات تكافح الفقر وتضيف قيمة إلى الاقتصاد. غير أن جانباً معتبراً منها اتجه إلى التجارة قصيرة الأجل، والمضاربة، والأنشطة الأسرع ربحاً، فخدم مصالح أصحابه أكثر مما خدم الاقتصاد الوطني. وهكذا أسهم التمويل العام، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، في تكوين ثروات خاصة، بينما ظل النشاط الإنتاجي يتقهقر يوماً بعد يوم بسبب انعدام التمويل.
هذه الطبقة لم تولد من فراغ، بل خرجت من رحم سياسات توارثتها الحكومات السودانية المتعاقبة منذ الاستقلال. فقد فضلت الدولة دوماً التعامل مع “نادي” محدد من رجال الأعمال، مانحةً إياهم الإعفاءات والعطاءات والحماية؛ وبدلاً من خلق بيئة عادلة يتنافس فيها الجميع، أغلقت السوق على عدد محدود، بل وأطلقت عليهم -في مفارقة ساخرة – صفة “الرأسمالية الوطنية”، رغم ان معظمها رأسمالية محاسيب صنعتها الحظوة السياسية لا الجهد والكفاءة والابتكار. ثم جاءت حقبة الإنقاذ، فضيقت هذه الدائرة أكثر، وجعلت من الولاء السياسي شرط الثراء الأول. وعندما جاءت ثورة ديسمبر، أستبشر الناس وظنوا أن هذه الحلقة المفرغة ستنكسر، إلا أن المشهد الأول لترتيب مستقبل البلاد كان كفيلاً بتبديد كل تلك الآمال؛ فأول اجتماع لقيادات الثورة مع بعض القيادات العسكرية كان في منزل لأحد رجال الأعمال، ولأن “الجواب ببان من عنوانه” فقد كان هذا الإجتماع مؤشراً مبكراً على طريقة التفكير التي ستخطط وتدير الإقتصاد لاحقاً، كما منح رسالة للمراقبين بأن النخبة السياسية -بمختلف مشاربها وشعاراتها- ما تزال لا تستطيع العمل بعيداً عن حضن أصحاب المال.
وما هذه الممارسات المتوارثة إلا انعكاس لغياب المسافة الآمنة بين السلطة والمال؛ ففي النظم التي تحترم مؤسساتها، يشبه رجل الدولة القاضي، إذ تقوم قيمة منصبه على نزاهته والبعد عن الشبهات، وعلى المسافة التي تفصله عن أصحاب المصالح. ولهذا تضع الدول المستقرة قواعد صارمة تمنع تضارب المصالح، وتحدد مسارات العلاقة بين المسؤولين ورجال الأعمال. أما عندنا، فقد صار بعض المسؤولين يتفاخرون بقربهم من رجال الأعمال، ويضمون بعضهم إلى الهيئات الاستشارية، ويتعاملون معهم بوصفهم بوابة الاصلاح الاقتصادي. وهنا تفقد الدولة حيادها، لأن رجل الأعمال مكانه الطبيعي أمام مؤسسات الدولة، لا داخلها، وموقعه في السوق، لا في صناعة القرار الذي ينظمه.
ومن غريب أمر السودان أنه يكاد يكون من أكثر البلدان حديثاً عن زيادة الإنتاج وتعظيم الصادرات، ومن أقلها وفاءً لهذا الهدف في سياساته. ونحن هنا لا نتحدث عن دولة تفتقر للموارد، بل عن بلاد تملك أكثر من 200 مليون فدان من الأراضي الصالحة للزراعة، وموقعاً جغرافياً ومناخاً استثنائياً يمنحها ميزة تنافسية طبيعية؛ ومع ذلك، تجد هذه الإمكانيات مهجورة أو مكبلة عمداً بقيود الفساد الإداري والمؤسسي، فما من مسؤول يتولى إدارة الاقتصاد إلا ويفتتح خطابه بالدعوة إلى نهضة إنتاجية، ثم تأتي سياساته وقرارته لتدفع رأس المال في الاتجاه المعاكس تماماً. ولتغيير هذا الواقع، يجب على صانع القرار أولاً، وأنا هنا أعني الفريق البرهان تحديدا، أن يتحلى بالجراءة والإرادة، وأن يعمل على تغيير العقلية التاريخية التي تدير الأزمة الاقتصادية المزمنة عبر تبديل الوجوه لا تبديل القواعد. وذلك من خلال الاهتداء بتجارب الدول الناجحة التي عايشت ذات التحديات؛ ونقترح عليه في هذا الصدد توجيه الجهاز التنفيذي بإنشاء “مجلس أعلى للإنتاج”، يضم المؤسسات ذات الصلة، بالإضافة لخبراء في التنمية مشهود لهم بالنزاهة، على أن يكون عمله تنسيق العلاقة بين المؤسسات الإنتاجية، واصلاح الأنظمة القانونية في البيئة الانتاجية، وفك التشابكات في الصلاحيات المؤسسية ورسم حدود المسئوليات، وتوجيه الحوافز -المشروطة بالتوظيف والإنتاج- نحو الأنشطة التي تضيف قيمة حقيقية، مع إعادة المسافة الطبيعية بين رجال الدولة ورجال المال. مع ضمان أن يعمل هذا المجلس تحت أعلى درجات الشفافية والرقابة والتدقيق، حتى لا يعيد إنتاج النموذج الذي جاء لإصلاحه؛ وهذا ليس حلاً كاملاً، ولكنه بداية لا بد منها لتصحيح الأوضاع وضبط قواعد اللعبة.
