التعدين التقليدي ثروة وطنية تستحق التطويرالتعدين التقليدي ثروة وطنية تستحق التطوير

التعدين التقليدي ثروة وطنية تستحق التطويرالتعدين التقليدي ثروة وطنية تستحق التطوير

✍️ عثمان أحمد يعقوب
الدرباي جراب الرأي

عرف السودانيون إنتاج الذهب منذ آلاف السنين وكان الذهب أحد أهم منتجات مملكتي كوش ومروي حتى أصبح جزءاً أصيلاً من تاريخ السودان الاقتصادي والحضاري. وقد روى الرحالة ابن بطوطة في كتاب رحلاته أنه شاهد الناس يستخرجون الذهب من أرض السودان وهو ما يؤكد أن ارتباط السودانيين بهذا المعدن النفيس ليس وليد اليوم بل هو امتداد لتجربة ضاربة في عمق التاريخ.
ولعقود طويلة ظل الذهب أحد أسباب أطماع الغزاة في السودان وكان من الدوافع الرئيسة للبحث عن السيطرة على هذه الأرض الغنية بالموارد وليس آخرهم محمد علي باشا .
وفي العصر الحديث سبق المواطنون الجهات الرسمية إلى مناطق إنتاج الذهب فكانوا المستكشفين الأوائل والمنتجين الأوائل وابتكروا أعرافاً نظمت النشاط واستقرت حتى أصبحت مرجعاً يحكم العلاقات بين العاملين في مناطق التعدين.
بدأ التعدين التقليدي بأجهزة الكشف والأدوات اليدوية البسيطة ثم تطور تدريجياً بدخول الحفارات وطواحين الحجر ووسائل الإنتاج المختلفة لينشأ حوله اقتصاد واسع تحركه الإرادة الفردية وروح المبادرة. ومع مرور الزمن تراكمت آلاف الأطنان من مخلفات التعدين الأمر الذي دفع الشركات إلى إنشاء مصانع لاستخلاص الذهب من تلك المخلفات ومعالجتها مما أسهم في رفع كفاءة الاستفادة من الموارد وزيادة الإنتاج حتى بلغ إنتاج السودان في عام 2017 رقماً قياسياً قدره 107 أطنان من الذهب.
ومنذ عام 2010 حين بلغ إنتاج السودان نحو 26 طناً وحتى عام 2025 ترسخ التعدين التقليدي باعتباره العمود الفقري لصناعة الذهب في السودان. وتشير التقديرات إلى أنه أسهم في المتوسط بنحو 70% من إجمالي الإنتاج الوطني بما يعادل أكثر من 700 طن من الذهب خلال خمسة عشر عاماً وهو رقم مرشح للزيادة مع تحديث البيانات الرسمية. كما تؤكد البيانات الرسمية أن التعدين التقليدي أنتج في عام 2025 وحده أكثر من 58 طناً من إجمالي إنتاج بلغ نحو 70 طناً أي ما يزيد على 80% من الإنتاج القومي بما يؤكد أنه الركيزة الأساسية لصناعة الذهب في السودان.
وعند احتساب قيمة إنتاج الذهب السوداني خلال الفترة من 2010 إلى 2025 وفق متوسط الأسعار العالمية لكل عام فإن القيمة الإجمالية للإنتاج تتجاوز 52 مليار دولار أمريكي وكان التعدين التقليدي صاحب النصيب الأكبر من هذه القيمة. وهذه الثروة لم تنتجها شركات عالمية أو استثمارات أجنبية وإنما صنعتها سواعد السودانيين ومولتها مدخراتهم لتتحول إلى واحد من أعظم الإنجازات الاقتصادية الوطنية خلال العقدين الأخيرين.
ولم تقتصر آثار التعدين التقليدي على إنتاج الذهب فحسب بل أصبح أكبر مستوعب للعمالة في السودان موفراً فرص العمل لأكثر من مليوني شخص بصورة مباشرة وغير مباشرة كما حرك قطاعات النقل والتجارة والخدمات والوقود والاتصالات والصناعات الصغيرة وسلسلة واسعة من الأنشطة الاقتصادية المساندة. كما أن الرسملة المتراكمة داخل هذا القطاع من معدات وآليات وأصول ورؤوس أموال تشغيلية تضعه في مصاف أكبر الأنشطة الاقتصادية الوطنية بينما جعلته مساهمته في توفير النقد الأجنبي ودعم الميزان التجاري أحد أهم أعمدة الاقتصاد السوداني.
ورغم هذا النجاح الكبير لا يزال القطاع يواجه تحديات تتعلق بالبنية التحتية والتمويل والتنظيم والسلامة المهنية وحماية البيئة والإحصاء الدقيق للإنتاج. ولا تُعالج هذه التحديات إلا بسياسات إصلاحية شاملة تُعزز تطور القطاع وتمكنه من العمل وفق أسس حديثة من خلال إدخال التقنيات المتطورة وتوفير الخدمات الأساسية وتسهيل التمويل وتعزيز الإرشاد والتدريب وتنظيم الأسواق وتشجيع المنتجين وتحفيزهم مع تطبيق أفضل الممارسات البيئية.
إن التعدين التقليدي أصبح ثروة وطنية متكاملة وصناعة قائمة بذاتها أثبتت قدرتها على الإنتاج والتشغيل وخلق القيمة المضافة وتحريك الاقتصاد الوطني. وكل جنيه يُستثمر في تنظيمه وتطويره سيعود أضعافاً على الاقتصاد وكل خطوة نحو دعمه ستنعكس في زيادة الإنتاج والصادرات والإيرادات وفرص العمل. ولذلك فإن المطلوب اليوم هو تبني استراتيجية وطنية شاملة لتطوير التعدين التقليدي باعتباره أحد أهم الأصول الاقتصادية للسودان وقاطرةً للتنمية المستدامة وركيزةً لبناء اقتصاد قوي يحقق الرفاه والاستقرار للأجيال القادمة.