ثلاثة أرغفة بألف جنيه

بقلم : الفاتح الشيخ

١ . عند ذهابي صباح اليوم لشراء الخبز، وجدت أن سعر ثلاثة أرغفة قد بلغ ألف جنيه.
٢. توقفت قليلاً أمام هذا المشهد البسيط، واستعدت في ذهني سنوات طويلة من الجدل السياسي الذي دار حول رغيف الخبز، حتى أصبح في بعض الأحيان وسيلة للتعبئة السياسية أكثر من كونه قضية معيشية تبحث عن حل.
٣. عندما حاولت حكومة الإنقاذ في العام 2013 خفض الدعم عن الوقود ـ وليس إلغاءه بالكامل ـ وجدت النخب السياسية في ذلك فرصة لتعبئة الشارع وإسقاط الحكومة وتكرر المشهد بصورة أكبر في العام 2018 عندما ارتفع سعر الخبز ليصبح الرغيف بجنيه بدلاً من نصف جنيه.
٤. و يومها رُوِّج للناس أن المشكلة لا علاقة لها بالظروف الاقتصادية المعقدة التي تمر بها البلاد، وأن زيادة الأسعار لا تذهب إلا إلى جيوب الإسلاميين، وأن تغيير الحكومة وحده كفيل بإنهاء الأزمة وإعادة الأوضاع إلى طبيعتها.
٥ . لا أحد ينكر أن الأزمة كانت حقيقية، ولا أحد يستطيع أن ينكر معاناة المواطنين منها. لكن السؤال الذي يستحق التوقف عنده هو: هل كانت الأزمة مجرد نتاج لسياسات حكومة واحدة؟ أم أنها كانت جزءاً من مشكلات اقتصادية أعمق تأثرت بعوامل داخلية وخارجية معروفة للجميع؟
٦. ففي عالم اليوم تتأثر أسعار الوقود والغذاء والنقل بعوامل دولية معقدة، من الحروب والصراعات إلى العقوبات الاقتصادية والأزمات المالية العالمية.
٧. عندما ترتفع الأسعار في دول كبرى وغنية، لا يُفسر الأمر دائماً على أنه نتيجة فساد الحكومات أو فشلها، بل يُنظر أيضاً إلى الظروف الدولية المحيطة.
٨. ورغم أن للأزمات الاقتصادية أسبابها الداخلية والخارجية، فإن السودان ظل هدفاً لمشروعات وضغوط خارجية استغلت هذه الأزمات، وربما أسهمت في تعميق بعضها عبر الحصار والعقوبات والعزل الاقتصادي، سعياً لتحقيق أهداف سياسية تتجاوز السودان نفسه إلى إعادة تشكيل موازين القوى في المنطقة.
٩. لمفارقة أن كثيراً من القوى السياسية التي تصدرت المشهد المعارض في العام ٢٠١٨ لم تكن بعيدة عن مؤسسات الحكم. فقد شاركت أحزاب وشخصيات عديدة، بدرجات متفاوتة، في الجهاز التنفيذي، ومنهم من تولى رئاسة القطاع الاقتصادي، ومع ذلك جرى تقديم المشهد وكأن المسؤولية تقع على طرف واحد فقط، بينما اختفت بقية الأطراف من الرواية السياسية والإعلامية.
١٠. ثم ذهبت الإنقاذ، ولم يفلح من جاء بعدها في المحافظة حتى على أسعار كثير من الخدمات التي تركتها عند مغادرتها السلطة. بل إن الأزمات المعيشية استمرت وتفاقمت في بعض الجوانب، الأمر الذي كشف أن المشكلة كانت أكبر من مجرد تغيير حكومة أو استبدال أشخاص بآخرين.
١١. لقد اكتشف المواطن، ولو متأخراً، أن الشعارات شيء والواقع شيء آخر. فالقوى التي وعدت بحلول سريعة لم تقدم برنامجاً اقتصادياً قادراً على معالجة جذور الأزمة، بل لم تقدم برنامجاً أصلاً، وإنما استمرت في استهلاك الخطاب نفسه القائم على تحميل الإنقاذ مسؤولية كل ما جرى ويجري.
١٢. والأدهى من ذلك أن هذه الأحزاب لم تُعرف خلال السنوات الأخيرة بمبادرات عملية تخفف معاناة المواطنين. فلم نر لها حضوراً مؤثراً في دعم معسكرات النزوح، أو المساهمة في ترحيل النازحين، أو دعم عودة اللاجئين، أو حتى الوقوف إلى جانب المواطنين في محنتهم على سبيل المواساة السياسية والأخلاقية.
١٣. وفي كل اللقاءات والمؤتمرات التي شاركت فيها هذه القوى، ظل الحديث يدور حول تقاسم السلطة والترتيبات السياسية، بينما غابت الأسئلة المتعلقة بمن تسبب في معاناة المواطن السوداني، وكيف يمكن إنهاء هذه المعاناة.
١٤. ولهذا يبرز سؤال مشروع: إذا كان العالم حريصاً على المواطن السوداني، فلماذا يقتصر الحديث دائماً على الأزمة الإنسانية وتوصيل المساعدات؟ ولماذا لا تُساعد الدولة السودانية على تجاوز أزماتها الاقتصادية؟ لماذا لا تُضخ ودائع في البنك المركزي للمساعدة في استقرار سعر الصرف كما حدث في دول أخرى؟ ولماذا يُترك الاقتصاد السوداني تحت هذا الضغط المستمر؟
١٥. الإجابة التي يراها كثيرون هي أن السودان يُراد له أن يبقى تحت الضغط، وأن هذه الضغوط لن تتوقف بتغيير الحكومات أو تبديل الأحزاب، بل ستستمر ما دامت تحقق أهدافها.
١٦. ولهذا فإن المطلوب من القوى السياسية الانتقال من مربع تبادل الاتهامات وإلقاء اللوم على الماضي، إلى مربع الاصطفاف الوطني والبحث عن حلول حقيقية. فمهما بلغت الخلافات الداخلية، فإن الصبر عليها يبقى أفضل من الاستقواء بالخارج أو مساعدته ـ بقصد أو دون قصد ـ في تعميق أزمات البلاد.
١٧. كما أن على من يتولون زمام الحكم اليوم أن يلتقطوا قفاز التحدي، وأن يتعاملوا مع هذه الحقائق بفهم عميق، لأن المواطن لم يعد يهمه اسم الحزب الحاكم ولا اسم الحزب المعارض، بقدر ما يهمه أن يجد الخبز والخدمة والأمن والحياة الكريمة.
١٨. أما إذا استمرت الحلقة نفسها من المزايدات السياسية والارتهان للخارج وتبادل الاتهامات، فعندها لن يكون الخاسر حزباً أو حكومة، وإنما السودان كله.
وعليك يا دنيا السلام.

تحياتي
الفاتح الشيخ
٢٣/يونيو/٢٠٢٦