زيارة بعثة الاتحاد الأوروبي إلى السودان: مراجعة السرديات وبحثٌ عن شراكة جديدة!؟


السفير.د.معاوية البخاري

مقدمة
جاءت زيارة بعثة الاتحاد الأوروبي إلى السودان في توقيت بالغ الحساسية، ليس فقط لأنها تمثل أول انخراط أوروبي رفيع المستوى مع الخرطوم منذ اندلاع الحرب في أبريل 2023، وإنما لأنها تعكس أيضاً مراجعة أوروبية متدرجة لفهم المشهد السوداني بعد أكثر من ثلاث سنوات من الصراع وما أفرزه من تحولات سياسية وعسكرية وإنسانية عميقة.
فالزيارة لم تكن مجرد محطة بروتوكولية أو استطلاعية، بل حملت دلالات سياسية مهمة تتجاوز بعدها الثنائي إلى إعادة تقييم أوروبية لمجمل المقاربة التي حكمت التعامل مع الأزمة السودانية خلال السنوات الماضية، في ضوء الوقائع الجديدة التي فرضتها الحرب على الأرض.

أهمية التوقيت ودلالاته السياسية
تكتسب الزيارة أهميتها من عدة اعتبارات متزامنة. فمن ناحية، يشهد السودان تحولات ميدانية أعادت رسم خريطة السيطرة والنفوذ داخل البلاد، وأفرزت واقعاً مختلفاً عن التقديرات التي سادت في بدايات الحرب. ومن ناحية أخرى، أصبحت أوروبا أكثر تأثراً بتداعيات الأزمة السودانية، سواء عبر قضايا الهجرة غير النظامية، أو الأمن الإقليمي، أو استقرار البحر الأحمر الذي يمثل أحد أهم الممرات التجارية الحيوية للعالم.
كما تأتي الزيارة في ظل تزايد القناعة لدى العديد من الشركاء الدوليين بأن استمرار إدارة الأزمة من الخارج لم ينجح في وقف الحرب أو الحد من آثارها الإنسانية، الأمر الذي دفع إلى البحث عن قراءة أكثر واقعية وتعقيداً للمشهد السوداني.
ومن هذه الزاوية، تبدو الزيارة بمثابة انتقال من مرحلة الاعتماد على التقارير والتقديرات الخارجية إلى مرحلة الاستماع المباشر للفاعلين الأساسيين داخل السودان والاطلاع على رؤيتهم لمستقبل الأزمة ومخارجها.

مراجعة السردية السائدة حول الحرب
منذ اندلاع الحرب، تأثرت المقاربة الغربية عموماً، والأوروبية على وجه الخصوص، بسردية اختزلت الأزمة في صراع داخلي بين طرفين متكافئين على السلطة، مع التركيز على الجوانب الإنسانية أكثر من التعمق في جذور الأزمة السياسية والأمنية.
غير أن تطورات الحرب وما كشفت عنه من انتهاكات واسعة واستهداف للبنية التحتية ومؤسسات الدولة، فضلاً عن التداعيات الإنسانية غير المسبوقة، دفعت كثيراً من الأطراف الدولية إلى إعادة النظر في بعض فرضياتها السابقة.
وخلال اللقاءات التي أجرتها البعثة الأوروبية مع المسؤولين السودانيين، حرص الجانب السوداني على تقديم روايته للأحداث، مؤكداً أن الحرب بدأت بتمرد مسلح استهدف الدولة ومؤسساتها الوطنية والشعب على حد سواء ، وأن أي معالجة جادة للأزمة ينبغي أن تنطلق من فهم أسبابها الحقيقية وليس الاكتفاء بالتعامل مع نتائجها الإنسانية والسياسية.
كما عرض السودان حجم الأضرار التي لحقت بالمرافق العامة والخدمات الأساسية والاقتصاد الوطني، وما نتج عنها من نزوح داخلي ولجوء واسع النطاق، الأمر الذي ساهم في تقديم صورة أكثر شمولاً وتعقيداً لطبيعة الصراع.

الرسائل التي أبلغها السودان للاتحاد الأوروبي
عكست اللقاءات التي عقدها الوفد الأوروبي مع المسؤولين السودانيين مجموعة من الرسائل الاستراتيجية التي تسعى الخرطوم إلى ترسيخها لدى شركائها الدوليين.

أولاً: أولوية الحفاظ على الدولة الوطنية
أكد السودان أن أي تسوية سياسية مستقبلية يجب أن تنطلق من الحفاظ على الدولة ومؤسساتها ووحدة أراضيها وسيادتها الوطنية، باعتبار أن انهيار مؤسسات الدولة يمثل التهديد الأكبر للاستقرار الداخلي والإقليمي.

ثانياً: رفض المساواة بين الدولة والمجموعات المسلحة
شددت الخرطوم على أن المقاربات التي تضع الدولة والجماعات المتمردة في كفة واحدة لا تسهم في إنهاء الصراع، بل تضعف أسس الشرعية السياسية والقانونية اللازمة لأي عملية سلام مستدامة.
ثالثاً: ضرورة معالجة التدخلات الخارجية
أكد السودان أن استمرار تدفق الدعم الخارجي للأطراف المسلحة يمثل أحد أهم العوامل التي أطالت أمد الحرب، وأن أي جهد دولي حقيقي لإنهاء النزاع لا بد أن يتعامل مع مصادر الدعم والتسليح والتجنيد العابر للحدود.
رابعاً: دعم التعافي وإعادة الإعمار
كما دعا السودان الاتحاد الأوروبي إلى تجاوز المقاربة الإنسانية التقليدية نحو دعم برامج التعافي المبكر وإعادة الإعمار واستعادة الخدمات الأساسية وتهيئة الظروف المناسبة لعودة النازحين واللاجئين.
خامساً: سودنة الحوار وملكية الحل الوطني
لعل الرسالة الأهم التي حرص السودان على إيصالها للوفد الأوروبي تمثلت في التأكيد على أن أي عملية سياسية قابلة للاستمرار لا بد أن تكون سودانية القيادة والملكية والمرجعية.
فمن منظور الخرطوم، أثبتت تجارب السنوات الماضية أن التسويات التي قامت على تفاهمات جزئية أو ترتيبات صيغت تحت ضغوط أو رعايات خارجية لم تنجح في بناء توافق وطني مستدام. بل إن هشاشة بعض هذه الترتيبات ساهمت في تعميق الاستقطاب السياسي وإضعاف الثقة بين المكونات الوطنية، وهو ما انعكس لاحقاً على استقرار المرحلة الانتقالية وانتهى إلى الانقسامات التي سبقت اندلاع الحرب.
ومن هنا شدد السودان على أن الحوار الوطني المطلوب لا ينبغي أن يقتصر على النخب السياسية وحدها، وإنما يجب أن يكون شاملاً للقوى السياسية والمجتمعية والإدارات الأهلية والطرق الصوفية ومنظمات المجتمع المدني والمرأة والشباب وممثلي الأقاليم المختلفة، بحيث يستند إلى قاعدة وطنية واسعة تشكل الرافعة الحقيقية لأي تسوية مستقبلية.
كما أوضح أن دور المجتمع الدولي ينبغي أن يتركز في دعم الحوار السوداني وتيسير ظروف نجاحه، لا في صياغة مخرجاته أو فرض مساراته. فالتجربة أثبتت أن الحلول المستدامة لا تُستورد من الخارج، وإنما تنبع من توافقات وطنية تعكس واقع المجتمع السوداني وتعقيداته وتطلعاته.

انعكاسات الزيارة على مشهد الحرب
رغم أن الزيارة لا تعني بالضرورة تحولاً جذرياً وفورياً في السياسات الأوروبية تجاه السودان، إلا أنها تحمل مؤشرات مهمة على بداية مراجعة أكثر واقعية للمشهد.
فمجرد انتقال البعثة الأوروبية إلى الخرطوم والاستماع المباشر لمؤسسات الدولة يعكس إدراكاً متزايداً بأن فهم الأزمة السودانية لا يمكن أن يتم حصراً عبر المنصات الخارجية أو الرؤى الأحادية الموجهة، وإنما عبر التواصل المباشر مع الأطراف الفاعلة على الأرض.
وقد يسهم ذلك مستقبلاً في بلورة مواقف أوروبية أكثر توازناً تجاه الحرب، وفي إعادة صياغة أولويات الدعم السياسي والإنساني والتنموي بما يتوافق مع المتغيرات الجديدة.

مستقبل العلاقات السودانية الأوروبية
على الرغم من التباينات التي طبعت العلاقات خلال السنوات الأخيرة، فإن المصالح المشتركة بين السودان والاتحاد الأوروبي ما تزال كبيرة ومتعددة الأبعاد.
فالسودان يمثل دولة محورية في القرن الإفريقي ومنطقة البحر الأحمر، بينما يظل الاتحاد الأوروبي شريكاً مهماً في مجالات التنمية والاستثمار والتعاون الإنساني وبناء القدرات.
ومن المرجح أن تتركز العلاقات خلال المرحلة المقبلة على ثلاثة مسارات رئيسية:
• تعزيز الحوار السياسي والتشاور الاستراتيجي.
• توسيع برامج الإغاثة والتعافي وإعادة الإعمار.
• تطوير الشراكات الاقتصادية والتنموية طويلة المدى.
غير أن نجاح هذه المسارات سيظل رهيناً بمدى قدرة الطرفين على بناء الثقة المتبادلة، والتوصل إلى فهم مشترك لطبيعة الأزمة السودانية ومتطلبات الخروج منها.
أهم الانشغالات الاوربية
كما لا يمكن فصل الزيارة عن الانشغالات الاستراتيجية المتنامية للاتحاد الأوروبي في محيطه الجنوبي، إذ بات استقرار السودان يرتبط مباشرة بقضايا الهجرة غير النظامية وأمن البحر الأحمر واستقرار دول الساحل والقرن الإفريقي. فاستمرار الحرب يهدد بتوسيع مسارات النزوح والهجرة نحو أوروبا، ويزيد من هشاشة البيئة الأمنية في البحر الأحمر، كما يفاقم تحديات الجريمة العابرة للحدود والجماعات المسلحة في منطقة الساحل. ومن ثم، فإن الرسالة التي حملتها الزيارة تتجاوز البعد الإنساني إلى إدراك أوروبي متزايد بأن استقرار السودان لم يعد شأناً محلياً فحسب، بل يمثل ركيزة مهمة للأمن الإقليمي الإفريقي ولحماية المصالح الأوروبية في التجارة الدولية والملاحة البحرية وإدارة ملفات الهجرة والأمن عبر الحدود.

خاتمة
تكشف زيارة بعثة الاتحاد الأوروبي إلى السودان عن بداية مرحلة جديدة من التعاطي الدولي مع الأزمة السودانية، عنوانها الانتقال من السرديات المسبقة إلى قراءة أكثر واقعية للوقائع على الأرض. كما أنها عكست رغبة أوروبية متزايدة في فهم رؤية السودان لمستقبل الحرب والسلام، واستكشاف آفاق التعاون في مرحلة ما بعد النزاع.
وفي المقابل، حرص السودان على توجيه رسالة واضحة مفادها أن السلام المستدام لا يمكن أن يتحقق إلا عبر الحفاظ على الدولة الوطنية، ووقف التدخلات التي تغذي الصراع، وتمكين السودانيين من قيادة حوار شامل يمتلكون قراره ومخرجاته. وبين هذه الرؤية الوطنية والمصالح الأوروبية المتنامية في استقرار السودان والمنطقة، قد تشكل الزيارة بداية مسار جديد في العلاقات السودانية الأوروبية يقوم على الواقعية السياسية والشراكة المتوازنة والاحترام المتبادل.
—————
١٦ يونيو ٢٠٢٦ م