صفقات الذهب والدم في غرف أبوظبي السرية لتمكين المليشيا
جسر جوي إماراتي مشبوه ينقل مسيرات الموت إلى الخرطوم
أموال النفط والغاز تشتري صمت القوى الدولية والإقليمية بالمنطقة
دبلوماسية الخرطوم تلاحق نظام آل نهيان بمجلس الأمن الدولي قانونياً
مليارات دبي تعبر الحدود التشادية وتفتح المطارات لشحنات السلاح
أموال الإمارات تشتري جنرالات حفتر بليبيا لفتح ممر الجنوب العسكري
مطار بوصاصو الصومالي يتحول لقاعدة خلفية لرحلات الشحن العسكرية
الخرطوم :اخبار السودان
تحت سماء الخرطوم المشتعلة بنيران القذائف، وفي عمق مدينة الفاشر التي تشهد مواجهات مصيرية، يتجاوز المشهد حدود النزاع الداخلي ليكشف عن مخطط إقليمي تدار تفاصيله من العاصمة الإماراتية. ويرصد هذا التقرير بالوثائق والأرقام والتواريخ وقائع التدخل الإماراتي المساند لمليشيا الدعم السريع، وهو مسار بدأ قبل ثورة ديسمبر 2019 وتضاعف عسكرياً ولوجستياً بعد اندلاع الحرب، عابراً للحدود والمجالات الجوية عبر رحلات مشبوهة واستعانة بمرتزقة أجانب، بهدف تمكين عائلة دقلو من مفاصل الدولة والسيطرة على مقدرات البلاد الاقتصادية.
▪ الجذور التاريخية للمؤامرة الإماراتية بالسودان
بدأ الدعم الإماراتي الموجه لمليشيا الدعم السريع قبل ثورة ديسمبر في العام 2019م، حيث أنفقت دولة الإمارات أموالاً طائلة في تأهيل وتدريب المليشيا ووضعت لها الخطط الممنهجة للتغلغل في مفاصل الدولة، مستفيدة من الأطماع الشخصية لقيادة التمرد في حكم البلاد. ولم يقتصر الأمر على التدريب، بل تم تزويد المليشيا بأحدث الأسلحة والعتاد الحربي، وساهمت أبوظبي مساهمة كبيرة في تحسين صورة المليشيا محلياً وإقليمياً ودولياً، وذلك في إطار خطة إماراتية خبيثة لتسويق حكم المليشيا للبلاد وفرضه كأمر واقع على الشعب السوداني. وبعد اندلاع الحرب، استمر هذا الدعم العسكري والمادي والإعلامي بطرق ووسائل مختلفة وملتوية، شملت إمداد الأسلحة والذخائر عن طريق البر عبر الحدود من دول الجوار مثل تشاد، أفريقيا الوسطى، وليبيا، لضمان استمرار العمليات العسكرية ضد الجيش الوطني.
▪ جسور جوية وموانئ لتهريب السلاح
أقامت الإمارات جسراً جوياً مكثفاً لتوصيل الدعم عبر المطارات التشادية وخاصة مطار أم جرس، فضلاً عن استخدام علاقاتها وأموالها للانطلاق من مطارات إماراتية ومطارات أخرى مثل بوصاصو في الصومال، مع تسهيل عبور الأجواء في كينيا، يوغندا، وجنوب السودان. ولم تتوانَ أبوظبي عن استخدام المهابط المؤقتة والترابية داخل ولايات دارفور وشمال كردفان لإرسال شحنات السلاح وإخلاء جرحى المليشيا ونقل الذهب والمنهوبات الثمينة، مستغلة استهداف المليشيا لأنظمة الرصد والمراقبة الجوية للقوات السودانية في أول أيام الحرب. كما امتدت المخططات لاستغلال بعض الموانئ البحرية لدول كينيا والكاميرون، ومنها براً إلى تشاد ثم إلى داخل السودان، متجاوزة كافة الأعراف الدولية في إدارة الموانئ والشحن البري والجوي.
▪ استراتيجية الوكالة والإنكار الدبلوماسي الممنهج
تعتمد دولة الإمارات استراتيجية الحروب بالوكالة ضد السودان، والتي تتمثل في استخدام المليشيات والمرتزقة بدلاً من التدخل العسكري المباشر، وتمويل الجماعات المسلحة عبر تهريب الذهب والموارد النادرة والتمويل غير المشروع، وهو ما أكده التقرير الذي نشره الصحفي دكلان وولش في صحيفة نيويورك تايمز بتاريخ 11 ديسمبر 2024. وتعمل أبوظبي على إخفاء دورها الحقيقي من خلال الإنكار والمراوغات الدبلوماسية والإنسانية، وادعاء تقديم المساعدات تحت لافتات الهلال الأحمر والصليب الأحمر، في حين توثق الأقمار الصناعية وصناديق الذخيرة المضبوطة زيف هذه الادعاءات، مما دفع الإمارات في ديسمبر 2024م لإبلاغ إدارة الرئيس الأمريكي جو بايدن بنفي صوري لا يقدم ولا يؤخر في الحقائق على الأرض.
▪ أطماع أبوظبي في الذهب والموانئ
لقد راهنت دولة الإمارات على عائلة دقلو للحفاظ على مصالحها الاستراتيجية والاقتصادية في السودان، وفي مقدمتها الحصول على احتياطيات الذهب الكبيرة في البلاد والسيطرة المطلقة على موانئ السودان على البحر الأحمر وأراضيه الزراعية الشاسعة. وتستخدم الإمارات ثرواتها الهائلة وأسلحتها المتطورة لوضع نفسها كلاعب رئيسي في جميع أنحاء أفريقيا، ولم تكتفِ بالدعم اللوجستي للمليشيا بل عملت على اختراق دول جوار السودان والتأثير على مواقفها ترغيباً وترهيباً لتسهيل مرور الإمدادات، وتوظيف النفوذ المالي والسياسي شراءً للولاءات الإقليمية وتوجيهها لخدمة مشروع تمكين المليشيا المتمردة وتفكيك مؤسسات الدولة السودانية الرسمية.
▪ الابتزاز السياسي والضغط على بريطانيا
ذهبت أبوظبي أبعد من الدعم العسكري عندما استخدمت نفوذها وعلاقاتها الدولية في مجلس الأمن الدولي لعرقلة مناقشة شكوى السودان الرسمية مطلع العام 2024م، وذلك عن طريق الضغط المباشر على حكومة بريطانيا. وفي سبيل تحقيق هذا الهدف وحماية المليشيا من الإدانة الدولية، ألغت الإمارات لقاءات ثنائية مبرمجة مع مسؤولين بريطانيين، منها لقاء عمدة لندن لمناقشة خطط التمويل الأخضر، ولقاء وزير العلوم البريطاني لبحث التعاون في مجال الفضاء، مما يوضح حجم الابتزاز السياسي الذي مارسته الدولة الخليجية لحماية حلفائها من العقوبات الدولية وتوفير الغطاء الدبلوماسي لجرائمهم.
▪ الكونغرس يتحرك لحظر مبيعات الأسلحة
أمام البراهين الساطعة، اهتم الكونغرس الأمريكي بقضية دعم الإمارات للمليشيا، وناقشت قاعاته ولجانه المختصة الموضوع، وأوصت بمنع بيع السلاح لأبوظبي. وتوج ذلك بمشروع القانون الذي قدمته النائبة الديمقراطية سارة جاكوبس في مايو 2024م لحظر مبيعات الأسلحة الأمريكية للإمارات، والذي تطور لمشروع قانون شامل لمعالجة الأزمة في السودان قدم للكونغرس مع النائب الديمقراطي غريغوري ميكس بتاريخ 7 مارس 2025م، يهدف إلى فرض عقوبات على المسؤولين عن جرائم الحرب في السودان، بالإضافة إلى منع مبيعات الأسلحة الأمريكية للدول التي تدعم مليشيا الدعم السريع وعلى رأسها الإمارات.
▪ اختراق الأجواء الصومالية لتهريب العتاد
لم يقتصر دعم الإمارات عبر دول الجوار القريب، بل استغلت مطار بندر قاسم بوصاصو في الصومال الذي تسيطر عليه في إرسال (14) رحلة خلال شهر أغسطس 2024م بطائرات البوينج الـ 76 ذات أرقام التسجيل (RA76834, RA76018, RA76846) والطائرة البوينج B763 ذات رقم التسجيل (EX76017) إلى انجمينا، محملة بشحنات السلاح والذخائر، مع استخراج إذن عبور مخادع من دولة جنوب السودان. هذا الاختراق اللوجستي العابر للدول يثبت أن العملية تدار كخط إمداد عسكري دولي متكامل الأركان، تشترك فيه طائرات شحن ضخمة وشبكات تهريب عابرة للحدود تضرب بالقوانين الدولية عرض الحائط.
▪ المرتزقة الكولومبيون وإدارة مسيرات الموت
في معارك مدينة الفاشر الأخيرة، انكشفت خيوط التدخل الخارجي بشكل ملموس، حيث قُتل مرتزقة كولومبيون ومجموعات أجنبية أخرى تقاتل بجانب مليشيا الدعم السريع، وتم ضبط أجهزة تكنولوجية بحوزتهم تحتوي على مواد مرئية ومسموعة تؤكد مشاركتهم المباشرة وتحدد الجهات المشغلة لهم. ويشرف المرتزقة الكولومبيون، بحسب الوثائق الميدانية، على تدريب عناصر المليشيا، وإدارة عمليات القصف المدفعي على الأحياء السكنية المأهولة بالمدنيين في الفاشر، إلى جانب تولي قيادة الطائرات المسيرة والمنظومات الإلكترونية وتوجيه العمليات باستخدام الخرائط والإحداثيات العسكرية.
▪ خط الإمداد العسكري عبر ليبيا
وفقاً لتقارير الخبراء الميدانيين، تحول مركز ثقل الإمداد العسكري النوعي للمليشيا من منطقة السارة وجنوب الكفرة في ليبيا إلى منطقة العوينات، وشهدت الفترة من يناير 2025 وحتى الآن طفرة في كم ونوع العتاد؛ حيث تم رصد حشد (20778) مقاتلاً، وتزويدهم بـ (7524) عربة قتالية، وإرسال (1689) شاحنة محملة بالذخائر المتنوعة، و(120) طائرة مسيرة مع منصات إطلاقها ومنظومات تشويش متطورة، و(20) راجمة صواريخ من طراز 40 دليل، بالإضافة إلى كميات هائلة من الوقود والترتيبات العسكرية لضمان استمرارية الهجمات.
▪ شبكات الميسرين والقيادات المتورطة بليبيا
تدار عمليات الدعم اللوجستي والعسكري من داخل الأراضي الليبية عبر شبكة معقدة تضم قيادات عسكرية تتبع للقيادة العامة لقوات خليفة حفتر، ومن أبرزهم قائد القوات البرية صدام خليفة حفتر، وقائد اللواء 106 خالد خليفة حفتر، بالإضافة إلى محمد المزوغي وعبدالسلام الفرجاني. وتتحرك هذه الإمدادات بالتنسيق مع قيادة كتيبة سبل السلام بالكفرة بقيادة عبدالرحمن هاشم الكيلاني، وبتسهيل من متعاونين ليبيين وفصائل تشادية معارضة مثل (FACT, CCMSR)، وعناصر حركات دارفور المنشقة كجناح الطاهر حجر وسليمان صندل ومجلس الصحوة الثوري، والذين تحولوا إلى أدوات لتمرير السلاح الإماراتي عبر الحدود.
▪ مسارات الملاحقة القانونية والدبلوماسية
يتحرك السودان عبر القنوات القانونية والدبلوماسية لوضع حد للدعم الإماراتي المقدم لمليشيا الدعم السريع، مستنداً إلى ملفات موثقة بالأدلة المادية جرى تقديمها إلى مجلس الأمن الدولي والمنظمات العدلية. ويسعى الجهد الدبلوماسي السوداني إلى تفكيك مسارات التهريب، وإثبات مشاركة المرتزقة الأجانب بالدليل القطعي، بهدف فرض حصار قانوني دولي يقطع خطوط الإمداد المالي والعسكري عن القوات المتمردة ويحاسب الأطراف الإقليمية المتورطة في تغذية النزاع.
المصدر : العودة
