عودة الجامعات السودانية.. هل اكتمل الاستعداد؟

رحمة عبدالمنعم يكتب :

عودة الجامعات السودانية.. هل اكتمل الاستعداد؟

ليس من السهل أن تُكتب عن التعليم في بلدٍ مثقلٍ بالحرب والخذلان الإداري، دون أن يتداخل في الحبر شيء من القلق، وشيء من الأسى، وشيء من ذلك الأمل الذي يشبه خيطاً رفيعًا يتدلّى فوق هاوية واسعة.
قرار وزير التعليم العالي والبحث العلمي البروفيسور أحمد مضوي بعودة الجامعات السودانية من مراكزها الخارجية ومواقع النزوح إلى مقارها الأصلية، اعتباراً من الأول من أغسطس المقبل، يبدو في ظاهره خطوة نحو «تطبيع الحياة» فى شقها الأكاديمي، واستعادة ما انقطع من مسيرة التعليم في السودان،وقد برّر الوزير في حديثه لصحيفة “الكرامة” مع الصحفي محمد جمال قندول، أن الهدف هو تعزيز جودة التعليم العالي وتخفيف الأعباء عن الأسر، مشيراً إلى أن المراكز الخارجية افتقرت إلى مقومات أساسية كالمعامل والمشارح والمستشفيات التعليمية.
غير أن الأسئلة، كما هي العادة في مثل هذه القرارات، لا تأتي متأخرة احتراماً للتوقيت، بل تأتي مبكرة بدافع القلق المشروع،فالقرار كما يبدو من مسافة الواقع لا النوايا، يتعامل مع ملف بالغ التعقيد وكأنه ملف إداري قابل للطيّ بقرار وزاري ، بينما الحقيقة أن الجامعات السودانية، في كثير من مواقعها الأصلية، لا تزال واقعة بين أثر الخراب، وتعطل البنية التحتية، وتفاوت القدرة على استقبال الطلاب. وبعضها كما هو معلوم، تعرض لعمليات نهب وتدمير خلال الحرب على يد مليشيا الدعم السريع ، الأمر الذي يجعل الحديث عن “العودة الفورية” أشبه بمحاولة تشغيل آلة فقدت أجزاءها الأساسية.
ثم هناك الجانب الإنساني، وهو الأكثر حساسية وإن كان الأقل حضوراًً في البيانات الرسمية،وكثير من الأسر السودانية رتّبت حياتها في الخارج على أساس استمرار أبنائها في الدراسة في مراكز النزوح أو في دول اللجوء، وبعضهم أدخل أبناءه في مدارس نظامية، واستقرّ في أوضاع معيشية لم تكن سهلة، لكنها على الأقل ممكنة، فجاء القرار ليطلب ضمنياً، إعادة تفكيك هذه الحياةوتركيبها في ظرف زمني ضيق لا يترك مساحة كافية للتأمل أو الترتيب أو حتى التكيّف.
ولا يحتاج المرء إلى كثير من الجهد ليلحظ أن تحديد الأول من أغسطس موعداً نهائياً يبدو أقرب إلى الرغبة في الحسم منه إلى دراسة واقعية لزمن التحول المطلوب، سواء على مستوى الأسر أو الجامعات نفسها، التي ما تزال تعاني من انقطاع الكهرباء،واضطراب الخدمات الأساسية، وهي شروط لا تصنع بيئة تعليمية مستقرة، بل بيئة “محاولة تعليم” في أفضل الأحوال.
وكان من الأجدر كما كتب الدكتور حسن التجاني في زاويته “وهج الكلم” التفكير في مقاربة تدريجية، لا تقوم على العودة الفورية، بل على ما يمكن تسميته بـ“التجفيف التدريجي” للمراكز الخارجية، إيقاف التسجيل الجديد خارج البلاد، ثم تنظيم انتقال الدفعات القادمة بشكل طبيعي، بحيث يعود الناس إلى الداخل بقناعة واستعداد، لا تحت ضغط القرار المفاجئ.
لسنا هنا في موقع الاعتراض على فكرة العودة ذاتها،فمن حيث المبدأ لا خلاف على أن الجامعات ينبغي أن تستعيد مركزها الطبيعي داخل السودان، وأن التعليم لا يمكن أن يعيش إلى الأبد في حالة نزوح، لكن الفارق دائمًا يكمن في الطريقة، وفي التوقيت، وفي مقدار ما يُراعى من واقع الناس لا من التصوّر والامنيات.
إن أخطر ما في السياسات التعليمية أنها حين تتجاهل البنية الاجتماعية التي تقوم عليها، تتحول من مشروع إصلاح إلى عبء إضافي على من يفترض أنها تخدمهم،والتعليم بطبيعته لا يحتمل القرارات الصادمة بقدر ما يحتاج إلى تراكم هادئ، يشبه بناء الجسور أكثر من افتتاحها بالقطع المفاجئ للشريط.
ويبقى السؤال، الذي لا بد أن يُطرح دون انفعال: هل تمت تهيئة الجامعات بالفعل لتستقبل هذا التحول الكبير؟ أم أن القرار سبق البيئة، كما يحدث كثيراً في بلادٍ تتقدم فيها الرغبة على الإمكان؟..في النهاية لا أحد يعارض عودة الجامعات إلى وطنها، لكن العودة، مثلها مثل الأوطان، تحتاج أن تكون قابلة للعيش، لا مجرد إعلان.