أخبار السودان يكشف المثير حول كارثة ارتفاع الدولار.. من يقود الانهيار وما الأسباب الحقيقية؟

الخرطوم – أخبار السودان

يشهد الجنيه السوداني واحدة من أعنف موجات التراجع أمام العملات الأجنبية منذ بداية العام الجاري، بعد أن قفز سعر الدولار في السوق الموازي إلى مستويات تراوحت بين 4400 و4450 جنيه، وسط مخاوف متزايدة من دخول الاقتصاد مرحلة أكثر تعقيداً في ظل استمرار الحرب وتراجع الإنتاج وضعف السيطرة على سوق النقد الأجنبي.

وتكشف إفادات متعاملين في سوق العملات وخبراء مصرفيين واقتصاديين عن أسباب متعددة تقف وراء الأزمة الحالية، تبدأ من زيادة الطلب على النقد الأجنبي ولا تنتهي عند المضاربات وتمويل العجز وضعف القنوات الرسمية للحصول على العملات الصعبة.

شركات وسماسرة يشعلون السوق

بحسب معلومات متداولة وسط المتعاملين في سوق النقد الأجنبي، فإن موجة الارتفاع الأخيرة لم تكن نتيجة عوامل طبيعية فقط، بل جاءت مدفوعة بعمليات شراء واسعة للدولار نفذتها جهات وشركات حكومية وغير حكومية عبر وسطاء وسماسرة في السوق الموازي.

وقال أحد المتعاملين في سوق العملات لـ”أخبار السودان” إن الطلب على الدولار ارتفع بصورة غير مسبوقة عقب عطلة عيد الأضحى، موضحاً أن سماسرة كباراً دخلوا السوق لشراء كميات ضخمة من العملات الأجنبية لصالح جهات مختلفة، الأمر الذي أدى إلى منافسة حادة بينهم ورفع الأسعار بشكل يومي.

وأضاف أن الأسعار أصبحت تختلف من ولاية إلى أخرى ومن تاجر إلى آخر وفقاً لحجم المبلغ المطلوب، مشيراً إلى أن الصفقات الكبيرة يتم تنفيذها بأسعار أعلى من الأسعار المتداولة بين الأفراد.

وتشير مصادر اقتصادية إلى أن جزءاً من هذه المشتريات يرتبط بتوفير النقد الأجنبي اللازم لاستيراد الوقود وبعض السلع الإستراتيجية، ما أدى إلى استنزاف المعروض المحدود من العملات الأجنبية في السوق.

السوق الموازي أصبح المتحكم الرئيسي

ويرى خبراء مصرفيون أن الأزمة الحالية لا ترتبط فقط بنقص النقد الأجنبي، وإنما بفقدان الدولة السيطرة على سوق العملات واتساع الفجوة بين الأسعار الرسمية وأسعار السوق الموازي.

وخلال جلسة حوارية لملتقى خبراء الاقتصاد والمال، أكد عدد من المختصين أن السوق الموازي تحول عملياً إلى الجهة التي تحدد سعر الصرف في البلاد بعد تراجع قدرة الجهاز المصرفي على تلبية احتياجات المستوردين والتجار.

وأشار الخبراء إلى أن الإصلاح الحقيقي يتطلب استعادة تدفقات الذهب والصادرات والتحويلات الخارجية إلى القنوات الرسمية، بدلاً من تركها تتجه إلى السوق الموازية التي تستحوذ على الجزء الأكبر من حصائل النقد الأجنبي.

توقف الإنتاج وانهيار الصادرات

من جانبه، أكد الخبير المصرفي وليد دليل أن الحرب المستمرة ألقت بظلالها الثقيلة على الاقتصاد السوداني، وتسببت في توقف قطاعات إنتاجية رئيسية كانت تمثل المصدر الأساسي للنقد الأجنبي.

وأوضح أن الزراعة والصناعة والتعدين تعرضت لأضرار واسعة نتيجة تعطل النشاط الاقتصادي وسلاسل الإمداد، الأمر الذي أدى إلى تراجع الصادرات السودانية بصورة كبيرة، بينما استمرت الحاجة إلى استيراد السلع الأساسية من الخارج.

وأضاف أن اختلال المعادلة بين الصادرات والواردات أدى إلى زيادة الطلب على الدولار بصورة مستمرة مقابل تراجع المعروض منه داخل الجهاز المصرفي.

التحويلات الخارجية خارج النظام المصرفي

وأشار دليل إلى أن تحويلات السودانيين العاملين بالخارج تراجعت عبر القنوات الرسمية بأكثر من 70% نتيجة الأوضاع التي شهدها القطاع المصرفي خلال الفترة الماضية.

وأوضح أن جزءاً كبيراً من التحويلات أصبح يمر عبر قنوات غير رسمية بسبب الفارق الكبير بين أسعار البنوك والسوق الموازي، وهو ما حرم الاقتصاد من أحد أهم مصادر النقد الأجنبي.

كما ساهم توقف المنح والمساعدات الدولية والقروض الخارجية في زيادة الضغوط على الاحتياطي النقدي، الأمر الذي انعكس مباشرة على سعر الصرف.

التمويل بالعجز وطباعة العملة

ويعتبر خبراء الاقتصاد أن التمويل بالعجز يمثل أحد أخطر أسباب تدهور قيمة الجنيه السوداني.

فمع تزايد الإنفاق الحكومي وتراجع الإيرادات، اضطرت السلطات إلى زيادة الكتلة النقدية عبر طباعة المزيد من العملة دون غطاء إنتاجي أو احتياطي حقيقي، ما أدى إلى ارتفاع معدلات التضخم وانخفاض القوة الشرائية للجنيه.

ويؤكد اقتصاديون أن زيادة المعروض من العملة المحلية دون زيادة مقابلة في الإنتاج أو الصادرات تؤدي بصورة تلقائية إلى تراجع قيمتها أمام العملات الأجنبية.

الذهب.. الحلقة المفقودة

ويرى مختصون أن ملف الذهب لا يزال يمثل أحد أكبر التحديات أمام استقرار سعر الصرف، في ظل استمرار تسرب كميات كبيرة من الإنتاج خارج القنوات الرسمية.

وأكد الخبراء أن الحل لا يكمن في الاحتكار أو الإجراءات الإدارية، وإنما في خلق بيئة تنافسية جاذبة تسمح بشراء الذهب بأسعار قريبة من الأسعار العالمية مع سرعة السداد وتوفير الحوافز اللازمة للمنتجين والمصدرين.

ما المطلوب؟

يجمع خبراء الاقتصاد والمصارف على أن معالجة أزمة الدولار تتطلب حزمة متكاملة من الإجراءات تشمل:

ضبط الإنفاق الحكومي وتقليل التمويل بالعجز.

إعادة تنشيط القطاعات الإنتاجية والصادرات.

استقطاب تحويلات المغتربين عبر القنوات الرسمية.

تنظيم تجارة الذهب وربطها بالنظام المصرفي.

تقليص الفجوة بين السعر الرسمي وسعر السوق الموازي.

تشديد الرقابة على المضاربات والشراء غير المنظم للعملات الأجنبية.

إعطاء الأولوية لاستيراد مدخلات الإنتاج والسلع الإستراتيجية.

وفي ظل استمرار الضغوط الحالية، يحذر خبراء من أن أي تأخير في تنفيذ إصلاحات اقتصادية حقيقية قد يؤدي إلى مزيد من التدهور في قيمة الجنيه، وهو ما سينعكس بصورة مباشرة على أسعار السلع والخدمات ومستوى معيشة المواطنين، لتتحول أزمة الدولار إلى واحدة من أخطر التحديات الاقتصادية التي تواجه السودان في المرحلة الراهنة.