السفير.د.معاوية البخاري
مقدمة
تشهد منطقة الشرق الأوسط واحدة من أكثر لحظاتها حساسية منذ عقود، بعد انتقال المواجهة بين إسرائيل وإيران من ساحات الوكلاء والحروب الرمادية إلى ضربات مباشرة داخل العمق الإيراني. فالغارات التي استهدفت مواقع في طهران وأصفهان وتبريز ومحيط كرج الليلة، لا تمثل مجرد عملية عسكرية جديدة، بل تعكس تحوّلاً استراتيجياً في طبيعة الصراع، وفي توازنات القرار داخل الإقليم، وفي العلاقة المعقدة بين إسرائيل والولايات المتحدة وإيران.
في المقابل، تلوّح طهران بأن الرد لن يقتصر على الجغرافيا الإيرانية، وأن الممرات البحرية الحيوية، وعلى رأسها باب المندب، قد تصبح جزءاً من معادلة الردع الجديدة. وبين هذا وذاك، يقف لبنان مرة أخرى على حافة الخطر، فيما تبدو المفاوضات الأمريكية الإيرانية التي كانت تقترب من لحظة حسم تاريخية وكأنها تتعرض لاختبار غير مسبوق.
السؤال المركزي اليوم لم يعد: هل ستندلع مواجهة أوسع؟ بل أصبح: من يملك قرار الحرب وقرار السلام في المنطقة؟
إسرائيل وانتقال المبادرة من الدفاع إلى فرض الوقائع
منذ السابع من أكتوبر 2023، تبنت إسرائيل عقيدة أمنية جديدة تقوم على منع تراكم التهديدات بدلاً من احتوائها، وعلى نقل المعركة إلى أراضي الخصوم بدلاً من انتظارها داخل حدودها.
فالحرب في غزة، والضربات المتكررة في سوريا، والمواجهة المفتوحة مع حزب الله في لبنان، واستهداف الحوثيين في اليمن، والعمليات ضد الفصائل العراقية، جميعها تعكس اتجاهاً استراتيجياً جديداً يرى أن البيئة الأمنية الإسرائيلية لا يمكن إدارتها عبر الردع التقليدي وحده.
وفي هذا السياق، تبدو الضربات الأخيرة ضد إيران محاولة لإعادة تعريف قواعد الاشتباك، وإثبات أن إسرائيل قادرة على الوصول إلى العمق الإيراني دون انتظار ضوء أخضر أمريكي كامل.
لقد ساد لعقود انطباع بأن أي مواجهة مباشرة مع إيران تحتاج إلى قرار أمريكي أولاً، لكن ما جرى يبعث برسالة مختلفة مفادها أن إسرائيل تسعى إلى إظهار استقلالية أكبر في قرارها العسكري، وأنها قادرة على فرض وقائع ميدانية تضع واشنطن أمام الأمر الواقع.
ومن منظور حكومة بنيامين نتنياهو، فإن هذه المقاربة تحقق عدة أهداف:
أولاً، استعادة صورة الردع التي تعرضت لاهتزاز كبير بعد هجوم السابع من أكتوبر.
ثانياً، توجيه رسالة للداخل الإسرائيلي بأن الحكومة ما زالت تمسك بزمام المبادرة.
ثالثاً، منع أي اتفاق أمريكي إيراني قد يُنظر إليه داخل إسرائيل باعتباره يمنح طهران متنفساً استراتيجياً.
رابعاً، تثبيت فكرة أن إسرائيل أصبحت اللاعب الأكثر قدرة على المبادرة العسكرية في الإقليم.
هل أصبحت واشنطن أسيرة للحسابات الإسرائيلية؟
أحد أبرز الأسئلة التي تطرحها التطورات الحالية يتعلق بطبيعة العلاقة بين واشنطن وتل أبيب.
فالرئيس دونالد ترامب كان قد أبدى في أكثر من مناسبة رغبته في تجنب حرب واسعة مع إيران، وأعطى إشارات متكررة إلى أن المفاوضات تسير نحو مراحل متقدمة.
لكن الضربات الإسرائيلية الأخيرة بصواريخ باليستية، تعيد إحياء نقاش قديم حول مدى قدرة الإدارات الأمريكية على ضبط السلوك الإسرائيلي عندما يتعلق الأمر بإيران.
ثمة رأي متنامٍ داخل بعض الأوساط السياسية الغربية يرى أن إسرائيل لا تنتظر دائماً القرار الأمريكي، بل تسعى أحياناً إلى خلق وقائع ميدانية تجعل واشنطن مضطرة إلى التكيف معها لاحقاً.
غير أن الحديث عن هيمنة إسرائيل على القرار الأمريكي يبقى تبسيطاً مفرطاً لمعادلة أكثر تعقيداً.
فالولايات المتحدة ما زالت تمتلك الأدوات الاقتصادية والعسكرية والسياسية الأكبر، لكنها تواجه في الوقت نفسه واقعاً داخلياً يجعل تكلفة الضغط على إسرائيل مرتفعة سياسياً، خصوصاً في ظل الاستقطاب الحاد داخل المجتمع الأمريكي، واقتراب الانتخابات النصفية.
لذلك فإن العلاقة بين الطرفين أقرب إلى علاقة تأثير متبادل منها إلى علاقة تبعية كاملة من أي جانب.
إيران بين ضرورة الرد وخطر التورط
المعضلة الإيرانية لا تقل تعقيداً عن المعضلة الإسرائيلية.
فالقيادة الإيرانية تدرك أن عدم الرد سيُفسر باعتباره ضعفاً استراتيجياً، خاصة بعد تعرض مواقع داخل الأراضي الإيرانية للاستهداف.
لكنها تدرك في الوقت نفسه أن الرد المفرط قد يفتح الباب أمام حرب شاملة لا ترغب فيها في هذه المرحلة.ولهذا تبدو الخيارات الإيرانية موزعة بين عدة مسارات:
الرد المباشر عبر الصواريخ أو الطائرات المسيّرة.
الرد غير المباشر عبر الحلفاء الإقليميين.
استهداف المصالح الاقتصادية والممرات البحرية.
رفع مستوى التخصيب النووي كورقة ضغط سياسية.
أو الجمع بين هذه الأدوات بصورة متدرجة.
وتاريخياً، فضلت إيران الرد المركب طويل النفس على المواجهات السريعة واسعة النطاق، لأنها تدرك الفارق الكبير في موازين القوة الجوية والتكنولوجية مع الولايات المتحدة وإسرائيل.
باب المندب وهرمز: الاقتصاد العالمي رهينة الحرب
عندما تتحدث إيران عن أن الهدوء في باب المندب لن يستمر، فهي لا توجه رسالة لإسرائيل وحدها، بل للعالم بأسره.
فالمعادلة الإيرانية التقليدية تقوم على أن أمن الطاقة العالمي لا يمكن فصله عن أمن إيران.
وأي اضطراب في باب المندب أو مضيق هرمز سيؤدي إلى انعكاسات فورية على أسعار النفط وسلاسل الإمداد العالمية والتجارة البحرية.
ولهذا فإن أخطر ما في التصعيد الحالي ليس عدد الصواريخ أو الطائرات المستخدمة، بل احتمال انتقال المواجهة إلى عقد التجارة والطاقة العالمية.
لبنان: الحلقة الأكثر هشاشة
أما لبنان فيجد نفسه مرة أخرى في قلب العاصفة دون أن يكون قادراً على التحكم بمسارها.
فالبلاد تعيش أزمة اقتصادية ومالية ومؤسساتية غير مسبوقة، فيما تتواصل الضربات الإسرائيلية على الجنوب والبقاع ومناطق أخرى.
والسؤال الذي يشغل اللبنانيين اليوم ليس من سينتصر في الحرب، بل كيف يمكن تجنب الانزلاق إلى حرب جديدة.
فالواقع اللبناني الحالي لا يحتمل تكرار سيناريوهات الدمار السابقة، كما أن البيئة الإقليمية لم تعد تسمح بهوامش المناورة التي كانت متاحة في الماضي.
ولهذا يبدو لبنان أكثر الأطراف رغبة في احتواء التصعيد، لكنه في الوقت نفسه الأقل قدرة على التأثير في مساره.
ماذا تبقى من المفاوضات الأمريكية الإيرانية؟
قبل أسابيع قليلة فقط، كانت التقديرات تشير إلى أن المفاوضات بين واشنطن وطهران تقترب من لحظة مفصلية.أما اليوم، فإن تلك المفاوضات تواجه اختباراً بالغ الصعوبة.فالضربات الإسرائيلية قد تدفع إيران إلى التشدد، كما قد تمنح المتشددين داخل الطرفين حججاً إضافية ضد التسوية.لكن المفارقة أن الحاجة إلى التفاوض أصبحت أكبر من أي وقت مضى.
فكلما ارتفعت احتمالات الحرب، ازدادت أهمية القنوات الدبلوماسية باعتبارها المخرج الوحيد القادر على منع الانفجار الشامل.لذلك فإن المفاوضات قد تتعطل مؤقتاً، لكنها على الأرجح لن تموت نهائياً.
هل نحن أمام حرب أم أمام خداع استراتيجي؟
يبقى السؤال الأهم: هل ما يجري مقدمة لحرب إقليمية واسعة أم جزء من لعبة الضغط المتبادل؟
الواقع أن كلا الاحتمالين قائم.
فالأطراف الثلاثة الكبرى – واشنطن وتل أبيب وطهران – تدرك أن الحرب الشاملة ستكون مكلفة للغاية.
لكنها تدرك أيضاً أن إظهار الاستعداد للحرب قد يكون وسيلة لتحسين شروط التفاوض.
ومن هنا قد يكون التصعيد الحالي محاولة لرفع سقف المكاسب السياسية قبل العودة إلى طاولة التفاوض، لكنه يظل تصعيداً بالغ الخطورة لأن الحروب كثيراً ما تبدأ من حسابات خاطئة أكثر مما تبدأ من قرارات مقصودة.
هل يغامر ترامب بمستقبله السياسي؟
يواجه الرئيس ترامب معضلة دقيقة.
فهو وصل إلى السلطة رافعاً شعار تجنب الحروب المكلفة والتركيز على الداخل الأمريكي، لكنه يجد نفسه أمام أزمة قد تفرض عليه خيارات لا يريدها.فإذا انخرط في حرب واسعة مع إيران، مجددا ، فإنه يخاطر بتقويض صورته كرئيس وعد بتجنب المغامرات الخارجية. وإذا بدا متساهلاً أمام التصعيد الإيراني، فقد يتعرض لانتقادات داخلية حادة.واذا ترك اسرائيل لمعاودة الحرب هدم البناء على من بداخله.
لذلك يبدو أن الخيار المفضل لترامب يتمثل في ممارسة أقصى درجات الضغط العسكري والسياسي مع تجنب الانزلاق إلى حرب مباشرة طويلة الأمد.غير أن المشكلة الأساسية تكمن في أن الأحداث الميدانية الان لا تسير دائماً وفق الحسابات السياسية والتقديرات التي رجحت أن الاتفاق أوشك.
خاتمة
المنطقة اليوم ليست أمام معركة عسكرية عابرة، بل أمام صراع على إعادة تعريف موازين القوة وحق المبادرة وامتلاك قرار الحرب.
إسرائيل تسعى إلى إثبات أنها قادرة على فرض الوقائع منفردة، وإيران تحاول الحفاظ على معادلة الردع دون الانجرار إلى حرب استنزاف شاملة، بينما تحاول الولايات المتحدة الموازنة بين حماية حليفها الاستراتيجي ومنع انفجار إقليمي قد يهدد مصالحها العالمية.
وفي ظل هذا المشهد المعقد، يبقى الخطر الحقيقي ليس في الضربات ذاتها، بل في احتمال أن يخطئ أحد الأطراف في تقدير حدود الآخر، فتتحول لعبة الرسائل المتبادلة إلى حرب لا يد للجميع فيها، لكنها قد تفرض نفسها على الجميع.
—————
٨ يونيو ٢٠٢٦ م
