السفير.د. معاوية البخاري
في لحظة تبدو فيها المنطقة أقرب إلى التهدئة منها إلى الانفجار، جاءت التصريحات المتضاربة الصادرة من واشنطن وطهران وتل أبيب لتؤكد أن الأزمة لم تغادر مربع الخطر بعد. فالحرب التي بدأت بالنار والصواريخ لم تنتهِ باتفاق سياسي واضح، كما أن المفاوضات لم تصل بعد إلى نقطة تسمح بإعلان تسوية شاملة. وبين هذا وذاك، يسعى كل طرف إلى تسويق روايته الخاصة وإعلان النصر أمام جمهوره الداخلي وحلفائه الخارجيين.
وتبرز الولايات المتحدة وإيران وإسرائيل بوصفها اللاعبين الثلاثة الأكثر تأثيرًا في تحديد مصير المرحلة المقبلة، فيما تبقى عقد لبنان ومضيق هرمز والملف النووي الإيراني أبرز نقاط الاشتباك التي تحول دون الانتقال من هدنة هشة إلى استقرار مستدام.
ترامب أمام الكونغرس: لغة المنتصر ورسائل المفاوض
في إحاطته الأخيرة أمام الكونغرس، حاول الرئيس دونالد ترامب تقديم المشهد باعتباره نجاحًا أمريكيًا مزدوجًا؛ فمن جهة أكد أن الضغوط الأمريكية حققت أهدافها الاستراتيجية في منع التصعيد الواسع وحماية المصالح الأمريكية، ومن جهة أخرى أبدى انفتاحًا واضحًا على المسار التفاوضي، بل ذهب إلى أبعد من ذلك عندما أشار إلى استعداده للقاء المرشد الإيراني إذا كان ذلك سيقود إلى اتفاق يضمن المصالح الأمريكية ويمنع امتلاك إيران للسلاح النووي.
هذا الطرح يعكس إدراكًا متزايدًا داخل الإدارة الأمريكية بأن القوة العسكرية وحدها لم تعد كافية لإنتاج استقرار دائم، وأن أي ترتيبات أمنية في الخليج والشرق الأوسط ستظل ناقصة ما لم تتضمن تفاهمًا مباشرًا أو غير مباشر مع طهران.
لكن خطاب ترامب حمل في الوقت ذاته رسالة ضغط واضحة؛ فباب التفاوض مفتوح، لكنه ليس مفتوحًا إلى ما لا نهاية، والخيار العسكري ما يزال حاضرًا في الخلفية كأداة ردع وتحسين شروط التفاوض.
الذاكرة الإيرانية وعقدة الثقة المفقودة
في المقابل، تنظر إيران إلى المشهد من زاوية مختلفة تمامًا. فطهران لا تتعامل مع المبادرات الأمريكية باعتبارها فرصًا سياسية فقط، بل تقرأها أيضًا من خلال ذاكرة ممتدة من الاتفاقات التي تم توقيعها ثم الانسحاب منها أو إعادة تفسيرها لاحقًا والعودة للحرب.
ولهذا تبدو القيادة الإيرانية أكثر تمسكًا بضمانات عملية وملموسة، لا سيما في ما يتعلق بالعقوبات والاعتراف بدورها الإقليمي وحقها في الاستخدام السلمي للطاقة النووية.
ومن هنا فإن استعداد ترامب للقاء المرشد الإيراني قد يُنظر إليه في طهران باعتباره مؤشرًا إيجابيًا من حيث الشكل، لكنه لا يبدد تلقائيًا حالة الشك العميقة التي تحكم النظرة الإيرانية إلى الوعود الأمريكية.
لبنان: العقدة التي تربك الجميع
إذا كان الملف النووي يمثل جوهر الخلاف الأمريكي الإيراني، فإن لبنان يبدو اليوم العقدة الأكثر تعقيدًا على المستوى الميداني.
فإسرائيل ترى أن أي تسوية لا تضمن معالجة التهديدات القادمة من الجبهة اللبنانية ووحدة الساحات ستكون تسوية ناقصة، بينما تنظر إيران إلى لبنان باعتباره جزءًا من منظومة الردع الإقليمية التي لا يمكن فصلها عن أي ترتيبات أمنية مستقبلية.
أما واشنطن فتجد نفسها بين رغبتها في منع توسع الحرب وبين التزاماتها الأمنية تجاه إسرائيل، الأمر الذي يجعل الملف اللبناني أحد أبرز أسباب التباين بين الحسابات الأمريكية والإسرائيلية.
هرمز: شريان الاقتصاد العالمي
على الضفة الأخرى، يظل مضيق هرمز أحد أهم أوراق الضغط المتبادلة.
فالعالم يدرك أن أي اضطراب واسع في هذا الممر البحري الحيوي لن تكون انعكاساته إقليمية فقط، بل ستطال أسواق الطاقة وسلاسل الإمداد والاقتصاد العالمي بأسره.
ولهذا تبدو أي تفاهمات محتملة حول أمن الملاحة في هرمز مدخلًا مهمًا لإعادة بناء الثقة بين واشنطن وطهران، وربما تشكل أساسًا لاتفاقات أوسع تتجاوز الملف البحري نفسه، وتعيد الاستقرار لمنطقة الخليج.
ثلاثة مسارات محتملة
في ضوء التطورات الحالية يمكن تصور ثلاثة مسارات رئيسية:
أولاً: اختراق تفاوضي تدريجي
يقوم على تفاهمات متدرجة بشأن هرمز ولبنان مقابل التزامات إيرانية في الملف النووي وخفض مستويات التصعيد الإقليمي، مع توفير ضمانات متبادلة تسمح لجميع الأطراف بإعلان مكاسب سياسية.
ثانياً: استمرار حالة اللا حرب واللا سلم
وهو السيناريو الأكثر واقعية في المدى القريب، حيث تستمر المفاوضات تحت ضغط الميدان، وتستمر الضربات المحدودة والرسائل العسكرية دون الوصول إلى مواجهة شاملة أو اتفاق نهائي.
ثالثاً: عودة الميدان لقيادة المشهد
إذا فشلت المفاوضات وتعذر التوفيق بين الحسابات الأمريكية والإسرائيلية والإيرانية، فقد يصبح التصعيد العسكري المحدود أداة لفرض وقائع جديدة على الأرض، وهو ما قد يؤدي إلى توسع المواجهة وإعادة المنطقة إلى دائرة الحرب.
من يعلن النصر؟
المفارقة أن جميع الأطراف تتحدث اليوم بلغة المنتصر.
ترامب يتحدث عن نجاح الضغوط الأمريكية وإمكانية تحقيق اتفاق تاريخي.
إسرائيل تتحدث عن تعزيز الردع وإضعاف خصومها.
وإيران تتحدث عن الصمود وإفشال محاولات فرض الإملاءات عليها.
لكن الحقيقة التي تكشفها الوقائع هي أن أياً من الأطراف لم يحقق بعد انتصارًا حاسمًا أو نهائيًا. وما يجري اليوم ليس احتفالًا بالنصر بقدر ما هو سباق محموم لتحديد شروط المرحلة المقبلة.
وبينما تتجه الأنظار إلى مسار المفاوضات، يبقى السؤال الأهم: هل تنجح السياسة أخيرًا في احتواء الحرب، أم أن تعقيدات لبنان وهرمز والملف النووي ستعيد الميدان إلى موقع القيادة، فيبتلع السياسة مرة أخرى ويجهز على المفاوضات!؟.
—————-
٤ يونيو ٢٠٢٦ م
