كلام صريح
سمية سيد
قد لا تحتاج للبحث عن اجابة لتجمهر اعداد كبيرة جدا من السودانيين الذين أجبرتهم ظروف الحرب لمصر امام مواقع بعينها وبشكل يومي بمجرد ان تقرأ لافتة مكتوب عليها اسم الصرافة او مكتوب عليها وسترن يونيون .
منذ الاول من ذي الحجة كانت اعداد كبيرة جدا من السودانيين يتزاحمون امام مكاتب الصرافات لاستلام تحويلات المغتربين لمقابلة احتياجات عيد الفداء المبارك ، وهي مبالغ بالعملات الحرة تدخل الاقتصاد المصري بعد ان فشلت حكومتنا في استقطابه قبل الحرب وبعدها.
لقد ظل المغتربون والمهاجرون من ابناء السودان بالخارج يمثلون شريان الحياة لسد فجوة الموارد المالية للأسر المتأثرة بالحرب داخل وخارج السودان .. انهم يقومون بادوار بطولية رغم الظروف الاقليمية والدولية التي اثرت عليهم بشكل مباشر في دول المهجر والاغتراب.
الملاحظة الاهم ان المغتربين السودانيين خلال سنوات الحرب الثلاث لم يقفوا عند دعم أسرهم فقط او الأقرباء من الدرجة الاولى والثانية بل امتد عطاءهم إلى الأصدقاء والجيران وصلات قربى بعيدة مما خفف من وطأة المعاناة التي تسببت فيها الحرب بسبب فقد كثير من الناس لمصدر رزقهم .
التحويلات المالية للمغتربين ساهمت في بقاء الكثير من الاسر داخل السودان مثلما ساهمت في دعم مستمر للاجئين في عدد من الدول ، في مصر وإثيوبيا ويوغندا ، وكينيا ، وجنوب السودان وتشاد وأفريقيا الوسطى وغيرها .عبر التحويلات المباشرة بالصرافات وكذلك التطبيقات البنكية ( بنكك وفوري) . دفعوا تكاليف ايجارات السكن والعلاج والمعيشة اليومية . و استضافوا كثيرا من الاسر والأفراد الذين وصلوا إلى السعودية والإمارات وقطر .
من مظاهر وقوف المغتربين مع محنة الوطن تكوين العديد من المبادرات الإنسانية التي قامت بتنظيم القوافل الطبية والإنسانية ودعم التكايا في الاحياء وفي مخيمات النازحين ..تداعت الروابط المهنية والخيرية في المهاجر المختلفة لتنظيم قوافل وحملات الدعم المباشر عبر صندوق دعم القطاع الطبي وقاد الأطباء السودانيون في بريطانيا، أمريكا، ودول الخليج حملات ضخمة لشحن الأدوية والمستلزمات الطبية للمستشفيات التي لا زالت تعمل.وانشأوا المخيمات الطبية في مواقع النازحين وساهموا في علاج كثير من الإصابات الناجمة عن القذائف والدانات والمسيرات .كما قاموا بتوفير الادوية المنقذة للحياة .
تماسك المجتمع السوداني منذ بداية حرب منتصف ابريل ٢٠٢٣ وحتى اليوم يعود في جزء كبير منه إلى الدور الذي لعبه السودانيين العاملين بالخارج في ظل تقاعس المجتمع الدولي في القيام بدوره الإنساني وفي ظل الظروف الاقتصادية الحرجة للدولة وانهيار شبكات الأمان الحكومية التي تعطلت .
صحيح ان ما قام به المقتربين والمهاجرين السودانيين هو واجب تجاه وطنهم وهي ضريبة واجبة السداد تجاه محنة بلادهم . لكن السؤال هل قامت الحكومة بواجبها تجاه هذه الفئة المنتجة ؟
في الواقع ان حكومتنا لم تلتفت يوما للمغتربين إلا كأحد ادوات الجباية للحصول على الموارد وفشلت فشلا بليغا في استقطاب مواردهم عبر القنوات المصرفية الرسمية بما يسهم في توفير موارد نقد اجنبي للخزينة العامة ، هذه الموارد التي ظلت تمثل موردا ضخما للسماسرة قبل الحرب وبعدها ولعدد من دول الجوار اثناء الحرب بسبب فشل الحكومة الان وسابقا في إقرار سياسات تشجيعية لاستقطاب مدخرات المغتربين والمهاجرين .
بالنظر إلى جهاز تنظيم شؤون السودانيين العاملين بالخارج فما عاد له اي دور لا في هذه المحنة ولا قبلها منذ سنوات ، وكان من المفترض حله منذ ان انضم الرجل الثاني على رأسه إلى مليشيا الدعم السريع .
في عهد الدكتور كرار التهامي بذل الجهاز مجهودات كبيرة لتقديم العديد من الامتيازات والتسهيلات للمغتربين ، وابرم اتفاقات مع ادارات الجمارك والإسكان وعدد من الجهات لتنفيذ تلك الامتيازات . ودخل في صراعات عديدة مع قيادات عليا بالدولة كانت تقاوم منح المغتربين امتيازات خاصة وكانت تماطل في تنفيذ ما تم الاتفاق حوله إلى ان فقد الرجل منصبه بسبب تلك التقاطعات وتم إعفاءه فجاة.
استطاع د كرار ان ينتزع امتيازات مهمة مثل إعفاء الأمتعة الشخصية عند العودة النهائية للبلاد من الرسوم الجمركية ، واستيراد السيارات بضوابط محددة . وتسهيل عمليات التمويل المصرفي . كذلك توفير قطع أراضي سكنية واتفاقات حول التعليم الجامعي لأبناء المغتربين وفرص القبول بالجامعات وهذه تمثل واحدة من المشكلات الكبيرة التي تواجه المغتربين . وتسهيل المعاملات الهجرية وحوافز اخرى .
كل هذه الخطوات انهارت و تحول المغترب إلى مجرد مورد مالي للدولة .
من المهم الان ان تعيد الحكومة النظر في جهاز شؤون السودانيين العاملين بالخارج وذلك بإعادة هيكلته بالكامل . او حله نهائياً وتحويل مهامه إلى ادارة تنشأ حديثا بوزارة الخارجية بدلا عن هذا الكم الهائل من الموظفين بلا جدوى .
لابد من وضع اسس جديدة للتعامل الرسمي مع ملف المغتربين بما يحقق التوازن في العلاقة بينه وبين الدولة . اسس تمنح المغترب الامتيازات المطلوبة وتمكن من ادخال مدخراته إلى خزينة الدولة عبر القنوات الرسمية مثلما معمول به في كل دول العالم ، وهذه المسالة تحتاج إلى قرارات جريئة وشجاعة تتجاوز سياسات بنك السودان المركزي التي تقود إلى هروب المغترب إلى السماسرة .
بمثل ما كان للعاملين بالخارج دورا محوريا اثناء الحرب يتوقع لهم دورا اهم في اعادة الإعمار فهل ينتبه رئيس الوزراء بل رئيس مجلس السيادة الفريق البرهان لهذا الملف.
