زيارة مدير المخابرات السودانية إلى موسكو.. رسائل أمنية وتحركات لكسر العزلة الدولية

موسكو – تقرير : اخبار السودان

اختتم مدير جهاز المخابرات العامة السوداني، الفريق أول أحمد إبراهيم مفضل، زيارة رسمية إلى العاصمة الروسية موسكو، شارك خلالها في الاجتماع الدولي لكبار المسؤولين المعنيين بالشؤون الأمنية، الذي انعقد بمشاركة واسعة ضمت ممثلين لـ145 دولة وعدداً من المنظمات والهيئات الدولية ذات الصلة.

وجاءت مشاركة السودان في الاجتماع وسط تطورات ميدانية وسياسية متسارعة تشهدها البلاد، في ظل استمرار الحرب بين القوات المسلحة السودانية وميليشيا الدعم السريع، وما صاحبها من تعقيدات إقليمية ودولية متزايدة.

وشهدت الزيارة سلسلة لقاءات مكثفة أجراها مدير جهاز المخابرات العامة مع مسؤولين روس رفيعي المستوى، شملت نائب وزير الخارجية الروسي، ونائب وزير الدفاع، ورئيس لجنة الشؤون الخارجية بمجلس الدوما الروسي ليونيد سلوتسكي، إلى جانب لقاءات ثنائية مع رؤساء وفود أمنية مشاركة في المؤتمر.


رسائل السودان إلى المجتمع الدولي


ركزت كلمة الفريق أول أحمد مفضل خلال المؤتمر الأمني على تحميل التدخلات الخارجية مسؤولية إطالة أمد الحرب في السودان، معتبراً أن ما وصفه بـ”النظام الدولي أحادي القطبية” شجع بعض الدول على ممارسة سياسات عدائية تجاه السودان، عبر العقوبات والتغاضي عن الانتهاكات التي ترتكبها جهات داعمة للتمرد.

ودعا مفضل المجتمع الدولي إلى تصنيف ميليشيا الدعم السريع “منظمة إرهابية”، محذراً من تحولها إلى تهديد عابر للحدود بسبب استعانتها بمرتزقة من أكثر من 17 دولة، الأمر الذي اعتبره تهديداً مباشراً للأمن الإقليمي والدولي.

كما تضمنت كلمة مدير المخابرات السودانية طرحاً سياسياً أوسع، دعا فيه إلى إصلاح منظومة الأمم المتحدة، وبناء نظام دولي متعدد الأقطاب يقوم على احترام سيادة الدول وعدم التدخل في شؤونها الداخلية.

دعم روسي واضح

وأظهرت اللقاءات التي عقدها الوفد السوداني في موسكو وجود تقارب متزايد بين الخرطوم وموسكو، خاصة في الملفات السياسية والأمنية والعسكرية.

كما أبدى الجانب الروسي، بحسب ما نقلته مصادر رسمية سودانية، استعداداً لمواصلة التنسيق السياسي والأمني مع الخرطوم خلال المرحلة المقبلة، والدفاع عن السودان في المحافل الدولية.

وأكد رئيس لجنة الشؤون الخارجية بمجلس الدوما الروسي، ليونيد سلوتسكي، موقف بلاده الداعم لوحدة السودان وسيادته ورفض أي تدخلات تستهدف الحكومة السودانية أو مؤسسات الدولة، معرباً عن رغبة موسكو في تطوير العلاقات الثنائية في مختلف المجالات.


ماذا حققت الزيارة؟

ويرى محللون أن زيارة مدير جهاز المخابرات السودانية إلى موسكو حملت عدة رسائل سياسية وأمنية مهمة، أبرزها سعي الخرطوم إلى توسيع دائرة تحالفاتها الدولية، وكسر حالة الضغوط والعزلة التي تحاول بعض القوى الغربية فرضها على الحكومة السودانية.
ويقول الباحث في العلاقات الدولية محمد الأمين إن السودان يحاول من خلال هذه التحركات إعادة تموضعه داخل التوازنات الدولية الجديدة، خاصة مع تصاعد النفوذ الروسي والصيني في القارة الأفريقية وتراجع الهيمنة الغربية التقليدية.
وأضاف أن الخرطوم تسعى أيضاً إلى تأمين دعم سياسي داخل المؤسسات الدولية، خصوصاً في مجلس الأمن، عبر تعزيز علاقاتها مع موسكو التي تمتلك حق النقض “الفيتو”.

بالمقابل ، يرى خبراء امنيون أن مشاركة السودان في مؤتمر أمني بهذا الحجم تمثل محاولة لإعادة تقديم الرواية الرسمية السودانية للأزمة أمام الأجهزة الأمنية العالمية، خاصة فيما يتعلق بملف الدعم الخارجي للتمرد وتدفق المرتزقة والسلاح مشيرين إلى أن مطالبة السودان بتصنيف الدعم السريع كمنظمة إرهابية تعكس توجهاً رسمياً لتدويل الملف أمنياً، ومحاولة نقل الأزمة من إطار “الصراع الداخلي” إلى خانة “التهديد الإقليمي والدولي”.
أبعاد تتجاوز الجانب الأمني

ويرى مراقبون أن نتائج الزيارة قد لا تتوقف عند حدود التنسيق الأمني، بل قد تمتد إلى ملفات اقتصادية وعسكرية، خاصة مع حاجة السودان إلى شراكات جديدة في مجالات الطاقة والتعدين والتسليح وإعادة الإعمار.

كما تأتي الزيارة في توقيت تشهد فيه العلاقات الروسية الأفريقية زخماً متصاعداً، في ظل التنافس الدولي على النفوذ في القارة، وهو ما قد يمنح الخرطوم مساحة أوسع للمناورة السياسية خلال المرحلة المقبلة.
.
ورغم ذلك، يعتقد محللون أن نجاح السودان في ترجمة هذا التقارب إلى مكاسب ملموسة سيظل مرتبطاً بقدرته على تحقيق استقرار داخلي، والتقدم في مسار التسوية السياسية وإنهاء الحرب.

تحركات ضمن إعادة تشكيل التحالفات
بصورة عامة، تعكس زيارة الفريق أول أحمد إبراهيم مفضل إلى موسكو توجهاً سودانياً واضحاً نحو تنشيط الدبلوماسية الأمنية والانفتاح على القوى الدولية غير الغربية، في إطار مساعٍ لإعادة تشكيل شبكة التحالفات الخارجية بما يخدم أولويات الخرطوم السياسية والأمنية خلال المرحلة الراهنة.

كما تؤكد الزيارة أن الملف السوداني بات جزءاً من التنافس الدولي الأوسع حول النفوذ والتوازنات الجيوسياسية، وهو ما يمنح التحركات الخارجية السودانية أهمية متزايدة في تحديد مسار الأزمة خلال الفترة المقبلة.