فيما أرى
عادل الباز
نحو إلغاء سجن الصحفيين:مقاربة شاملة لقضية رشان
1
كانت مطالبتنا الدائمة أن تذهب القضايا الصحفية إلى المحاكم، وألا يستخدم أحد سلطاته خارج إطار القانون أو بصورة متعسفة للانتقام من الصحفيين.
واليوم، نحن أمام واقعة تخص إحدى زميلاتنا الصحفيات، وهي الزميلة رشان أوشي. ولا يحتاج القراء إلى تعريف برشان، فقد صعد نجمها مؤخرًا في الساحة الصحفية بفضل جهدها المتميز في متابعة قضايا الفساد، وآرائها القوية في العديد من المنعطفات، خاصة في مرحلة ما بعد الحرب حيث أصبح دور الصحافة الاستقصائية أكثر أهمية من أي وقت مضى في بناء الدولة ومكافحة الفساد.
2
الآن، تقدم الشاكي بدعواه إلى القضاء ولم يستخدم أي سلطة خارج القانون، وهذا ما يُشكر عليه. وها هو القضاء قد قضى بما قضى به في شأن زميلتنا رشان.
المأزق الذي نحن فيه يقع بين موقف عاطفي وآخر قانوني يتعلق بالعدالة وسيادة القانون. ولذلك نسلك الطريق ذاته الذي افترعته الزميلة سهير عبد الرحيم، بمناشدة الشاكي بإبداء مرونة في موضوع القضية، بما يسمح بطيّ صفحتها وإطلاق سراح رشان، مع التعبير عن تضامننا الكامل معها ومع أسرتها في هذه المحنة، والإقرار بكامل حقوقه القانونية، وادعو الشاكى لان يكتفى بالادانة والتعويض او الاعتذار ، مع احترامنا الكامل لحكم القضاء واستقلاليته.
3
هناك اربع زوايا مهمة للنظر في قضية رشان.
الزاوية الأولى تتعلق بما يكتبه الصحفي وعلاقته بالقانون. لا أعتقد أن رشان حين كتبت ما كتبت كانت تجهل القانون، ولكنها ظنت أن ما لديها من معلومات استقتها من مصدر موثوق. ولذلك وقعت في فخ الخداع، لأن المعلومات لم تكن كما قُيلت أو كما كُتبت مع استخدام لغة هجومية اتهامية تضرر منها الشاكى.
والدرس المستفاد هنا للصحفيين هو أن التعامل مع المصادر — أيًا كان تصنيفها (مطلع، موثوق، مقرّب، ذو صلة) — يجب أن يكون بحذر شديد، حتى في حال توفرت مستندات ووثائق، وخاصة في هذا العصر الذي تكاثفت فيه أدوات التزييف. فالذكاء الاصطناعي أصبح قادرًا على تزييف ومحاكاة أي مستند أو توقيع.كما يجب على المؤسسات الصحفية أن تضع آليات تحقق داخلية صارمة قبل نشر أي تحقيق يتعلق بالفساد أو الشخصيات العامة.
4
الزاوية الثانية هي قضية تعامل الدولة مع الصحفيين فيما يخص توفير المعلومات وتيسير الحصول عليها،فالوصول إلى الحقائق يمكن أن ينهي تساؤلات كبيرة مطروحة في الساحة.
فأغلب الوزارات لا تملك ناطقًا رسميًا، ولا تملك موقعًا إلكترونيًا يمكن استقاء المعلومات الصحيحة منه. وفي هذا السياق، أحيي الإخوة في بنك السودان الذين أعادوا موقعهم الإلكتروني سريعًا، فهو موقع مهم يحتوي على كل المعلومات التي يحتاجها الصحفيون، ويُغني عن مطاردة المسؤولين. ويمكن أن يمتد هذا النموذج إلى باقي المؤسسات الحكومية مثل وزارة المالية ووزارة العدل، ليصبح الشفافية قاعدة وليست استثناءً.
إن عدم سهولة الحصول على المعلومات يدفع الصحفيين إلى اللجوء لمصادر قد لا تكون دقيقة. والمشكلة أن الضرر الذي يقع عند نشر خبر خاطئ يصعب تلافيه. لذا، الأفضل للمؤسسات أن تجعل معلوماتها وتحركاتها متاحة، خاصة تلك التي لا تتعلق بالأمن القومي أو أسرار ذات أهمية كبرى.
وفي هذا الإطار، يجب على جميع المؤسسات الحكومية والخاصة إنشاء «وحدة إعلامية» تابعة للمتحدث الرسمي، تكون مهمتها إصدار تصحيح أو بيان رسمي مصحوب بالوثائق الداعمة خلال مدة لا تتجاوز 24 ساعة من تاريخ النشر.
كما يجب المطالبة انفاذ قانون حق الوصول إلى المعلومات، وهو قانون رسمي ملزم لجميع أجهزة الدولة، يضمن للصحفي الحق في الحصول على المعلومة، ويجرّم كل من يعيق العمل الصحفي.
إنني منذ أسابيع أطارد السيد المراجع العام للإفراج عن تقرير عام 2025 الذي يحتوي على قضايا خطيرة، ولكنه لا يسمع ولا يرى ما نكتب. وتجاهل النداءات وغطرسة الفساد لا تجدي نفعًا، فكل شيء سينكشف قريبًا. والأفضل أن تُتاح المعلومات وأن يتعامل معها الصحفيون بمسؤولية.
5
الزاوية الثالثة هي زاوية القوانين. وأضم صوتي إلى الزميلة سمية سيد في أن تعديلات لازمة لا بد أن تطال قوانين الصحافة والعقوبات. يجب توفير غطاء نقابي ومهني وقانوني للصحفي يساعده على أداء مهمته دون الوقوع في زلات قانونية، خاصة أن القوانين الحالية تبيح سجن الصحفيين ولاتكتفى بالغرامة كان يمكن للمشرع بها ولكنه مع سبق الاصرار والترصد قرر وضع السجن كعقوبة اخرى.
ظللنا لسنوات نقول: إن رب العالمين يحاسب مرة واحدة على الذنب، أما في الصحافة فيمكن أن يُعاقب الصحفي أربع مرات: بالقانون الجنائي، وقانون الصحافة، ولجنة الشكاوى، وقانون المعلوماتية.
لا بد أن يخضع الصحفي لعقاب واحد فقط، وأن تُحصر العقوبات في الغرامات المالية على المؤسسات الصحفية وليس على الأفراد. بهذا نضمن دقة العمل المؤسسي والرقابة الداخلية المسؤولة. أما ما يُنشر في وسائل التواصل الاجتماعي، فيخضع لقانون المعلوماتية.
الزاوية الرابعة:
لاتكتمل هذه المقاربة دون الإشارة إلى مؤسسات المجتمع المدنى الصحفية. يجب أن تتحول من كيان دفاعي رد فعلي إلى مؤسسة وقائية تقدم التدريب القانوني والمهني المستمر للصحفيين، وتساهم في وضع مدونة سلوك مهني واضحة، وتوفر صندوق دعم قانوني للصحفيين الذين يواجهون قضايا مشابهة.
6
في الختام، إن مأزق الزميلة رشان ليس مجرد قضية فردية، بل هو اختبار حقيقي لمدى جدية الدولة في احترام حرية الصحافة وسيادة القانون.
إن تجاوز هذه الأزمة يتطلب مقاربة شاملة للزوايا الأربع التي أشرنا إليها. رسالتنا ليست دعوة للعاطفة، بل تأكيد على أن استمرار عرقلة كشف الفساد يهدد سيادة القانون ومستقبل البلاد.
نأمل أن تتحول هذه الواقعة من أزمة إلى نقطة تحول بناءة، تدفعنا جميعًا — صحفيين ومسؤولين وقضاة — نحو بيئة إعلامية أكثر مهنية وحرية ومسؤولية.
نحو إلغاء سجن الصحفيين:مقاربة شاملة لقضية رشان1
