بين التسريبات والنفي.. أزمة الثقة في ملف اللقاءات السرية

صدى الأحداث

الفاتح الشيخ: يكتب

بين التسريبات والنفي.. أزمة الثقة في ملف اللقاءات السرية

١. عندما اندلعت حرب التمرد وقف الشعب السوداني بكلياته خلف قواته المسلحة، ومع استمرار الحرب اتضحت أمامه بصورة أكبر الأطراف الداخلية والخارجية التي تسببت في معاناته، عبر الدعم المباشر أو المشاركة السياسية والإعلامية في الحرب، ولذلك تكوَّن تجاهها موقف شعبي ثابت لم يتغير.
٢. ومن واقع هذه المساندة للقوات المسلحة، انتقلت مساندة قطاعات واسعة من الشعب إلى الفريق أول عبد الفتاح البرهان سياسيًا، بوصفه القائد الذي يتولى إدارة البلاد في هذه المرحلة.
٣. ومع تراجع المليشيا، التي لم تعد في وضع القوة الذي كانت عليه في الشهور الأولى، بل تفرقت أوضاعها وتراجعت ميدانيًا، لم تظهر حتى الآن بوادر واضحة لتحقيق رغبة قطاعات واسعة من السودانيين في أن يتولى البرهان السلطة مستندًا إلى دعم الجيش والشعب.
٤. بل على العكس، بدأت تظهر مؤشرات متزايدة لصراع حول شكل السلطة وهوية الحكم، وهي مؤشرات لم تعد خافية، بل وصلت إلى مستوى القلق السياسي الحقيقي.
٥. كما أن هياكل الحكم السيادي والتنفيذي نفسها ظلت طوال الفترة الماضية تعاني من حالة عدم انسجام سياسي ودستوري، بسبب استمرار الدوران في فلك اتفاق جوبا والوثيقة الدستورية، وما نتج عنهما من تعقيدات في بنية السلطة وتوازناتها.
٦. وهذا الأمر بصورة أو بأخرى قسم التأييد الذي وجده البرهان إلى مستويين؛ تأييد باعتباره قائدًا للجيش، وتأييد آخر مرتبط بصفته السياسية كرئيس لمجلس السيادة، وهو ما أثَّر تدريجيًا في الرصيد الشعبي الكبير الذي تكوَّن في بداية الحرب، خاصة مع استمرار الضبابية السياسية، وتكرار الرسائل المتناقضة، والتسريبات التي لا تجد تفسيرًا واضحًا.
٧. صحيح أن البرهان ما يزال يجد تأييدًا في التجمعات الشعبية العفوية المرتبطة بالوقوف خلف الجيش، لكن ذلك لا ينفي أن جزءًا من الرصيد المعنوي الذي تكوَّن في بدايات الحرب بدأ يتراجع مع مرور الوقت.
٨. وعندما أُجريت بعض التعديلات في المناصب العسكرية خلال الفترة الماضية، ظهرت تسريبات واسعة عن وجود اتجاه للعودة إلى دستور ٢٠٠٥ بعد إجراء تعديلات محدودة عليه، ثم الذهاب إلى انتخابات رئاسية، باعتبار أن هذه الخطوة تحظى بإجماع نسبي وسط أطراف السلطة، كما أنها تمثل مطلبًا لبعض الدول الداعمة للسودان، لكن ذلك المسار توقف رغم أن كثيرين رأوا وقتها أن الخطوة جاءت متأخرة أصلًا.
٩. ومنذ اندلاع الحرب ظل ملف التفاوض والاتصالات السياسية واحدًا من أكثر الملفات حساسية في الوجدان الشعبي السوداني، ليس بسبب مبدأ التفاوض نفسه، وإنما بسبب طبيعة ما يجري خلف الأبواب المغلقة، والتسريبات المتكررة التي تتحدث عن لقاءات سرية يعقبها دائمًا نفي رسمي غير مقنع للرأي العام.
١٠. فالقضية في نظر كثير من السودانيين لم تعد مجرد سؤال: هل توجد لقاءات أم لا؟ وإنما: ما الذي يجعلها تُدار بهذه السرية إذا كانت منسجمة مع المزاج الوطني ومع الشروط التي ظل الشارع يرفعها منذ بداية الحرب؟
١١. فالشعب السوداني ليست لديه مشكلة مبدئية مع أي لقاءات أو تفاوض، ما دامت تُعقد وفقًا لشروطه الوطنية وتحفظ تضحياته ولا تعيد إنتاج الأزمة بصورة أخرى، ولذلك أصبحت السرية نفسها تُفهم شعبيًا باعتبارها مؤشرًا على أن ما يُطرح قد لا ينسجم مع تلك الشروط.
١٢. والتاريخ السياسي مليء بنماذج لقادة أعلنوا مواقف صادمة ثم ذهبوا إليها علنًا عندما اعتقدوا أنها تخدم مصلحة بلادهم؛ فالرئيس المصري الراحل أنور السادات أعلن بنفسه أمام البرلمان استعداده للذهاب إلى إسرائيل ومخاطبة الكنيست، باعتبار أن قراره من وجهة نظره مرتبط بمصلحة الدولة المصرية وتجنب الحروب.
١٣. ولذلك فإن الأزمة في السودان ليست في مبدأ اللقاءات نفسها، وإنما في غياب الوضوح، وفي إدارة الملفات المصيرية بطريقة تجعل الشعب يسمع عنها عبر التسريبات أولًا، ثم عبر بيانات النفي لاحقًا.
١٤. وربما المشكلة الأكبر أن هذه التسريبات تأتي في وقت مختلف تمامًا عن بدايات الحرب، بعد أن تغيّر الميزان الميداني بصورة واضحة، وهو ما يجعل الشارع أكثر حساسية تجاه أي حديث عن تفاوض لا تبدو ضرورته مفهومة للرأي العام.
١٥. والمفارقة أن هذه التسريبات ظلت تخصم من الرصيد السياسي للبرهان، خاصة أن الرجل ظل يكرر في خطاباته أنه لا تفاوض إلا بما يلبي مطالب الشعب السوداني ويحفظ كرامته وسيادته، بينما يتفاجأ الرأي العام بين الحين والآخر بأخبار عن لقاءات واتصالات وتحركات سرية، قبل أن تأتي بيانات النفي، وهو ما يضع المشهد في حالة تناقض سياسي وإعلامي يفتح الباب أمام الشكوك والتأويلات.
١٦. ومن المعروف سياسيًا أن الجهات التي تُجري مثل هذه اللقاءات يكون من مصلحتها في كثير من الأحيان تسريب أخبارها، سواء بغرض الضغط أو اختبار ردود الأفعال أو توجيه الرسائل السياسية، ولذلك فإن سياسة النفي وحدها لم تعد كافية لإغلاق هذا الملف.
١٧. أما إذا كانت السرية مبعثها ملف الإسلاميين، فإن الواقع يقول إن الإسلاميين كتنظيم ربما تراجعت بنيتهم القديمة، لكنهم ما يزالون موجودين كفكرة وامتداد اجتماعي واسع، بل إن كثيرًا ممن يُحسبون على التيار الإسلامي باتوا يعلنون صراحة أنهم لا يطمحون للمشاركة في الحكم خلال المرحلة الانتقالية، وإنما ينتظرون الاحتكام إلى الانتخابات باعتبارها الطريق الطبيعي للحسم السياسي.
١٨. وهنا يصبح السؤال الحقيقي: هل توجد بالفعل إرادة للذهاب إلى انتخابات حقيقية؟ أم أن هناك ترتيبات تُصنع لإطالة المرحلة الانتقالية أو لتفصيل إجراءات تمنع تيارات بعينها من ممارسة حقها السياسي والانتخابي؟
١٩. وهنا تبدأ العقدة الحقيقية للأزمة؛ فالمشهد السوداني شديد التعقيد، والجميع يريد إبعاد الإسلاميين كتنظيم سياسي، لكنهم ما يزالون موجودين كفكرة وكامتداد اجتماعي لا يمكن تجاوزه أو القفز فوقه بقرارات سياسية أو هندسة خارجية.
٢٠. فالقوى الدولية والإقليمية، رغم أنها لم تنجح حتى الآن في إنتاج بديل يملك الشعبية أو التنظيم أو الامتداد المجتمعي، ما تزال تحاول البحث عن صيغة تُقصي التيار الإسلامي بالكامل من المجال السياسي، وهو ما يجعل كثيرًا من الصيغ الانتقالية المطروحة عاجزة عن إنتاج تسوية مستقرة.
٢١. والأزمة ستظل مستمرة في ظل عدم وجود صيغة داخلية نهائية متفق عليها، تنطلق من شرعية تمثيل المجتمع لا من رغبات الخارج، وما دام هذا الملف يُدار بالتسريبات والغرف المغلقة بدل الوضوح والتوافق الوطني، فإن ذلك سيؤدي إلى إعادة إنتاج الأزمة نفسها بأدوات مختلفة وعناوين جديدة.
٢٢. فالاستقرار الحقيقي لا يُبنى بالتسويات الغامضة، وإنما بالتوافق الوطني الواضح الذي يستند إلى إرادة المجتمع لا إلى هندسة الخارج.

تحياتي
الفاتح الشيخ
٢٢/مايو/٢٠٢٦