بين الدبلوماسية الرمزية وأزمة الدولة: قراءة في أداء كامل إدريس

الصادق محمد أحمد

ليست المشكلة الأساسية في أداء رئيس الوزراء البروفيسور كامل إدريس أنه أخطأ بروتوكولياً هنا أو ظهر في لقاء محدود هناك، لكن المشكلة الأعمق تتعلق بشيء أكثر اهمية، وهو غياب الإحساس العام لدى كثير من السودانيين بأن بلادهم اليوم تُدار بعقل دولة يوازي حجم الكارثة التي تعيشها.
السودان لا يمر بمرحلة سياسية عادية، ولا بأزمة حكومية تقليدية يمكن احتواؤها بخطابات هادئة أو تحركات رمزية ،فالبلاد خرجت من واحدة من أعنف الحروب في تاريخها الحديث، مؤسساتها منهكة، اقتصادها شبه منهار، نسيجها الاجتماعي متصدع، وصورتها الخارجية مرتبكة إلى حد كبير، وفي مثل هذه الظروف لا يصبح منصب رئيس الوزراء مجرد وظيفة تنفيذية، بل يتحول إلى رمز سياسي وسيادي لفكرة الدولة نفسها ، فوجوده يطرح سؤالاً مهماً في ذهن المواطن العادي قبل النخب السياسية: هل ما تزال الدولة السودانية موجودة بالفعل بعد كل هذا الخراب؟ وهل ما تزال هذه الدولة قادرة على تمثيل نفسها بثقة وهيبة ورؤية واضحة؟
منذ توليه المنصب بدا كامل إدريس أقرب إلى شخصية أكاديمية أو إدارية أكثر من كونه رجل دولة يقود مرحلة استثنائية بهذه الخطورة ،وربما من هنا بدأت المسافة تتسع بين توقعات الشارع السوداني وبين الصورة التي يقدمها الرجل عن نفسه وعن موقعه، فالناس في الأوقات العصيبة لا تبحث فقط عن مسؤول يتحدث بلغة هادئة ومتزنة، بل تبحث عن قيادة تمنحها شعورا بأن الدولة ما تزال تملك اتجاهاً واضحاً وإرادة سياسية وقدرة حقيقية على الفعل لا الإكتفاء بالتصريحات والخطابات.
في الدول المستقرة قد تبدو الرمزية البروتوكولية أمراً ثانوياً، لكن في الدول الخارجة من الحروب تصبح الصورة السياسية جزءاً من معركة استعادة الشرعية والثقة والهيبة ، ولهذا لم يكن الجدل الذي رافق زياراته الأخيرة إلى السعودية والفاتيكان وبريطانيا مجرد نقاش بروتوكولي سطحي، فالمسألة أعمق من ذلك بكثير، صحيح أن زيارته إلى السعودية ( وفق التفسير البروتوكولي) كانت زيارة عمل وليست زيارة دولة، وبالتالي ليس من الضروري أن تُعامل وفق أعلى درجات المراسم الرسمية، وهذا تفسير منطقي ومهني لا ينبغي تجاهله، لكن حتى مع التسليم بذلك يبقى السؤال الأهم: ماذا حققت الزيارة سياسياً؟ وما هي الرسالة التي خرج بها السودانيون منها؟
المشكلة لم تكن في أن من استقبله كان أقل مرتبة من المتوقع، بل في أن الزيارة بأكملها بدت للرأي العام بلا ثقل سياسي واضح ،فالسودان اليوم ليس دولة تبحث عن مجاملات دبلوماسية أو صور بروتوكولية أو تحركات إعلامية محدودة التأثير، بل دولة تبحث عن إعادة تموضع جديد بعد حرب مدمرة، وعن دعم اقتصادي عاجل، وعن تحالفات واضحة، وعن إعادة تعريف علاقتها بالإقليم والعالم، لذلك كان السودانيون ينتظرون أن يروا تحركاً يعكس حجم الأزمة الوطنية والتحديات الوجودية التي تواجه الدولة السودانية، لا مجرد برنامج محدود يصعب على الناس فهم نتائجه أو أهدافه الفعلية.
الأمر نفسه تكرر في زيارة الفاتيكان قبل أيام، فبعيداً عن القيمة الرمزية للقاء البابا، لم يفهم كثير من السودانيين ما هي الأولوية الوطنية العاجلة التي تجعل هذا المسار الدبلوماسي في مقدمة تحركات رئيس الوزراء، في وقت تواجه فيه البلاد تحديات تتعلق بالحرب والأمن والاقتصاد وإعادة بناء مؤسسات الدولة. المشكلة هنا ليست في مبدأ الزيارة نفسها، بل في غياب السردية السياسية الواضحة التي تربط مثل هذه التحركات مباشرة بمصالح السودان وأولوياته الملحة.
أما زيارته الحالية إلى بريطانيا والتي تهدف بحسب ما أُعُلن إلى تقديم محاضرات في أكسفورد وكامبريدج حول مبادرة السودان للسلام، فهي تعكس بدورها إشكالية أوسع في طريقة إدارة المشهد السياسي السوداني حالياً، وهي الميل إلى مخاطبة النخب الأكاديمية والإعلامية أكثر من مخاطبة مراكز القرار الفعلية.
لا أحد ينكر أهمية الجامعات الغربية ودورها في تشكيل الرأي العام وصناعة الأفكار، لكن السودان اليوم لا يعيش أزمة صورة ذهنية فقط، بل أزمة نفوذ ومصالح وتحالفات، فالدولة السودانية تحتاج إلى دبلوماسية أزمة حقيقية، تخاطب الحكومات ومراكز التأثير وصناع القرار الاقتصادي والأمني، لا الاكتفاء بالحضور في الفضاءات الفكرية والثقافية.
كان السودانيون ينتظرون من رئيس وزرائهم في هذه المرحلة أن يقود دبلوماسية أزمة واضحة المعالم، تقوم على بناء تحالفات إقليمية حقيقية، وتحريك ملفات إعادة الإعمار، وجذب الدعم الاقتصادي، وإعادة تقديم السودان كدولة تسعى لإستعادة الاستقرار والسيادة، لا كملف إنساني يتصدر نشرات الأخبار، فالدول الخارجة من الحروب لا تُدار فقط بالبيروقراطية الإدارية، بل بوضوح الرؤية والقدرة على صناعة الحضور السياسي داخلياً وخارجياً.
في الداخل تبدو الصورة أكثر تعقيداً، فالحكومة حتى الآن لم تستطع بناء انطباع عام بأنها تملك زمام المبادرة السياسية أو الإدارية، فالقرارات تبدو بطيئة ومترددة، والخطاب الرسمي مرتبك، ومؤسسات الدولة ما تزال تتحرك بعقلية إدارة الأزمة اليومية ( وحتى هذه لم تظهر تقدماً ملموساً فيها) لا بعقلية إعادة بناء الدولة بعد الحرب ،وهذا التردد مكلف للغاية، لأن الفراغ السياسي لا يبقى فارغاً بل تملأه مراكز القوى الأخرى، سواء كانت عسكرية أو جهوية أو مسلحة أو حتى خارجية.
ومع ذلك، فإن تحميل كامل إدريس وحده مسؤولية هذا المشهد سيكون تبسيطاً غير عادل، فالرجل يتحرك داخل بيئة سياسية شديدة التعقيد، تتداخل فيها سلطات الأمر الواقع، ونفوذ المؤسسة العسكرية، وضغوط الحرب، والانهيار الاقتصادي، والتدخلات الإقليمية والدولية، وأي رئيس وزراء في هذا السياق سيواجه هامش حركة محدوداً وصراعاً مستمراً على القرار والصلاحيات ،لكن التاريخ غالباً لا يحاكم القادة بناء على حجم الصعوبات فقط، بل بناء على قدرتهم على صناعة الحدث وسط الفوضى وفي أوقات الأزمات الكبرى، حيث تصبح القيادة مسألة وطنية ومسؤولية أخلاقية بقدر ما هي إدارية وتنفيذية، فالشعب يريد أن يعيش في كنف دولة تعرف ماذا تريد، وتعرف كيف تقدم نفسها، وتعرف كيف تدافع عن مصالحها وكرامتها في الخارج قبل الداخل.
السودان اليوم لا يحتاج فقط إلى حكومة تدير الملفات اليومية فقط، بل كذلك إلى مشروع سياسي يعيد تعريف معنى الدولة بعد هذه الحرب، شكل السلطة، طبيعة العلاقة بين المدني والعسكري، كيفية استعادة هيبة المؤسسات، وبناء اقتصاد قادر على البقاء، والأهم من ذلك أن يشعر المواطن بعد كل هذا الخراب والدمار بأن هناك قيادة ترتقي فعلاً إلى مستوى اللحظة التاريخية التي يمر بها الوطن ،هذه هي التحديات الحقيقية أمام البروفيسور كامل إدريس، ليس فقط لكي ينجو سياسيا من تعقيدات المرحلة، بل أن ينجح في إقناع السودانيين بأن الدولة ما تزال تُدار بعقل استراتيجي قادر على استعادة الهيبة والثقة والحضور الفاعل ،لأن أخطر ما يمكن أن تصل إليه الدول بعد الحروب ليس الدمار المادي فقط، بل فقدان الإحساس الجماعي للشعب بوجود الدولة نفسها.