1- دخول سلطنة عُمان على خط الملف السوداني، في توازٍ مع أدوار أكثر علنية تلعبها السعودية، يشير إلى استكشاف مسارات جديدة، باعتبار مسقط قناة تقليدية لتمرير الرسائل غير المعلنة، وهو ما يعزز فرضية وجود مسارين: تفاوض ظاهر، وآخر غير معلن.
2- تبدو فرص نجاح الجهود العُمانية في الوصول إلى صيغة توافق تُرضي الداخل والخارج محدودة، خاصة في ظل خطاب داخلي تكرر بمضامين متعددة، كان آخرها ما ورد في حديث رئيس مجلس السيادة خلال لقائه بالنور قبة.
3- فالصورة العامة شديدة التعقيد، والرسائل المتباينة تطرح سؤالًا مركزيًا:
هل نحن أمام مشروع متماسك يُدار بتدرج، أم حالة تناقض تعكس غياب رؤية مكتملة؟
4- تُقرأ خطابات رئيس مجلس السيادة، من قبل البعض، كاستراتيجية تمنح قدرًا من المرونة عبر طمأنة الخارج، وإعادة ترتيب الداخل، وفتح مسارات متعددة دون التزام نهائي بأي منها.
5- إلا أن ما تحمله هذه الخطابات من تباين يشكل إرباكًا واضحًا، يتعذر معه الوصول إلى المقاصد المراد إيصالها، وربما تتحول من إدارة للتوازن إلى مصدر لعدم اليقين.
6- فالاتجاهات القائمة—المتمثلة في الانفتاح على قوى مدنية محدودة الفاعلية، مقابل إشارات حادة تجاه قوى أخرى فاعلة—تعكس تباينًا يصعب تفسيره، لا كإعادة تشكيل واعية للمجال السياسي، ولا كارتباك عابر.
7- ورغم وجود مؤشرات يمكن قراءتها في سياق مشروع سياسي يسعى لإعادة ترتيب موازين القوة وضمان تماسكها، بما يسمح بفتح مسار سياسي من موقع أكثر استقرارًا، فإن التحدي الحقيقي يتمثل في معضلة الإقصاء.
8- فمحاولة إخراج مكون مثل الإسلاميين من المعادلة بالكامل تتجاهل حقيقة تجذرهم في المجتمع، إلى جانب تقدير قطاعات واسعة لدورهم في القتال خلال هذه الحرب.
9- وهنا لا تصبح المسألة سياسية فقط، بل اجتماعية ومعنوية، ما يجعل خيار الإقصاء الكامل مكلفًا وغير مضمون النتائج.
10- كما تبرز معضلة ثانية تتعلق بسؤال الشرعية: كيف يمكن إقناع الشارع بأي عملية سياسية تشمل أطرافًا ارتبطت—بصورة مباشرة أو غير مباشرة—بأحداث دامية أو بدعمها؟ خاصة في ظل استمرار حالة الاستنكار الشعبي، ما يجعل أي تسوية تبدو أقرب إلى إعادة ترتيب للمشهد لا معالجته.
11- ومن ثم، فإن أي حديث عن حوار سياسي يصطدم بحاجز نفسي قبل أن يكون سياسيًا، إذ لم تتشكل بعد رواية مقبولة أو أرضية مشتركة يمكن البناء عليها.
12- وإذا انتقلنا إلى المشهد التنفيذي، نلاحظ أن القبول الشعبي بالحكومة الحالية يظل محدودًا، إذ يُنظر إليها—في بعض الأوساط—وكأنها لا تعكس مركز القرار الفعلي، بقدر ما تعكس توازنات مرتبطة باتفاق جوبا للسلام، وهو ما يضعف صورتها كواجهة جامعة.
13- وهذا يقود إلى سؤال أكثر تعقيدًا: هل يمكن أن تشكل حركات اتفاق جوبا جزءًا من الواجهة المدنية القادمة؟
14- الإجابة ليست حاسمة، لكن في جميع الأحوال يظل القبول الشعبي هو العامل الحاسم، خاصة في ظل الانتقادات المرتبطة بالأداء التنفيذي.
15- إذا جمعنا هذه الخيوط، نصل إلى مفارقة مركبة:
- القوى السياسية التقليدية ضعيفة أو فاقدة للثقة
- بعض المكونات مرفوض شعبيًا.
- قوي أخرى يصعب إقصاؤها بالكامل
- الحكم العسكري غير مقبول كصيغة نهائية
16- فمن أين ستأتي الواجهة المدنية التي أصبحت مطلبًا للقوى الإقليمية والدولية المنخرطة في الملف السوداني؟
17- الإجابة الواقعية تشير إلى أنها لن تكون نتاج طرف واحد، بل تركيبًا جديدًا. غير أن أي تشكيلها مهما بدا متوازنًا سيظل يواجه تحدي القبول، لأن الشرعية لا تُفرض بترتيبات، بل تُبنى بالثقة.
18- في المحصلة، لا يمكن فصل زيارة مسقط، ولا خطاب الداخل، ولا التغييرات العسكرية، عن محاولة أوسع لإعادة تشكيل المشهد السياسي.
19- ولكن نجاح هذه المحاولة سيظل مرهونًا بالإجابة على سؤال واحد:
هل يمكن إنتاج صيغة تحظى بحد أدنى من القبول، في بيئة يغلب عليها فقدان الثقة؟
تحياتي
الفاتح الشيخ
22/ابريل /2026
