السفير.د.معاوية البخاري
في مشهد إقليمي مشحون بالتوتر، تعود مؤشرات التفاوض بين الولايات المتحدة وإيران لتفرض نفسها كخيار اضطراري أكثر منه مسارًا نابعًا من قناعة استراتيجية. فسيل التصريحات والتصعيد العسكري القائم، سواء في الخليج أو عبر ساحات الوكلاء الممتدة من العراق إلى اليمن ولبنان، لا يلغي الحاجة إلى قنوات اتصال خلفية، بل يعززها. إنها مفارقة مألوفة في تاريخ العلاقة بين الطرفين: كلما اقتربا من حافة الصدام، ازدادت الحاجة إلى التفاوض.غير أن هذه العودة المحتملة إلى طاولة الحوار لا تجري في فراغ، بل ضمن شبكة معقدة من الملفات المتداخلة، تبدأ بالبرنامج النووي الإيراني ولا تنتهي عند معادلات الأمن الإقليمي ورهانات إسرائيل الاستراتيجية.أولاً: اليورانيوم كأداة تفاوض لا كغاية نهائيةلم يعد تخصيب اليورانيوم في حد ذاته هدفًا إيرانيًا بقدر ما أصبح ورقة ضغط تفاوضية. فطهران تدرك أن رفع نسب التخصيب أو تقليص زمن “الاختراق النووي” يمنحها موقعًا متقدمًا على طاولة التفاوض، لكنه في الوقت ذاته يرفع كلفة المواجهة مع واشنطن. لذلك، فإن سياسة “الاقتراب دون الانفجار” تظل هي السائدة: تصعيد محسوب يفتح الباب لتنازلات مقابلة.في المقابل، تتبنى واشنطن سياسة “الإمهال المشروط”، حيث تمنح إيران مساحة زمنية محدودة قبل الانتقال إلى أدوات ضغط أشد، سواء عبر الحصار أو العقوبات أو التحركات العسكرية. لكن هذا الإمهال ليس مفتوحًا، بل محكوم باعتبارات داخلية أمريكية، أبرزها تأثير أي تصعيد على أسواق الطاقة والاقتصاد.ثانياً: الأموال المجمدة… الاقتصاد بوابة السياسةيمثل ملف الأموال الإيرانية المجمدة أحد أكثر أوراق التفاوض حساسية. فإيران تنظر إلى الإفراج عن هذه الأموال كحق سيادي، بينما تستخدمه واشنطن كأداة لشراء السلوك الإيراني أو تعديله. وبين هذا وذاك، تتحول المسألة إلى معادلة دقيقة: كم يمكن تحريره من الأموال مقابل أي مستوى من التهدئة أو الالتزام النووي؟لكن الأهم أن هذا الملف يعكس حقيقة أعمق: أن الأزمة بين الطرفين لم تعد عسكرية أو أيديولوجية فقط، بل اقتصادية بامتياز. فالعقوبات لم تعد مجرد وسيلة ضغط، بل جزء من هندسة الصراع ذاته.ثالثاً: هرمز… شريان العالم وساحة الرسائليبقى مضيق هرمز أحد أكثر نقاط الاشتباك حساسية. فهو ليس مجرد ممر مائي، بل ورقة استراتيجية بيد إيران، ورسالة مفتوحة إلى العالم بأن أمن الطاقة لا يمكن فصله عن أمنها القومي. وفي المقابل، تعتبر الولايات المتحدة أن حرية الملاحة خط أحمر، ما يجعل أي احتكاك في هذا المضيق قابلًا للتحول إلى مواجهة أوسع.التصعيد في هرمز غالبًا ما يكون تكتيكًا تفاوضيًا أكثر منه خيارًا للحرب الشاملة. فإغلاق المضيق أو حتى التهديد به يحمل كلفة عالمية لا تستطيع إيران تحمل تبعاتها بالكامل، كما أن واشنطن تدرك أن أي مواجهة مباشرة هناك ستشعل المنطقة بأسرها.رابعاً: الخيارات الردعية… بين الاستعراض والانزلاقيعتمد الطرفان على مزيج من الردع المباشر وغير المباشر. الولايات المتحدة تعزز وجودها العسكري وتلوح بخيارات الضربات المحدودة، بينما تعتمد إيران على شبكة وكلائها كأداة للضغط دون الانخراط في مواجهة مباشرة.لكن هذه الاستراتيجية تحمل مخاطر الانزلاق غير المقصود. فهجوم محدود من أحد الوكلاء قد يستدعي ردًا أمريكيًا واسعًا، ما يفتح الباب أمام سلسلة من التصعيدات المتبادلة التي يصعب احتواؤها. وقد برز هذا جلياً في الباخرة الإيرانية التي احتجزتها وعطلتها امريكا في مياه خليج عمان وأثرهاعلى إعاقة التفاوض.خامساً: الخليج بين مطرقة التوتر وسندان الاستقرارتجد دول الخليج نفسها في قلب هذه المعادلة. فهي من جهة معنية بأمنها واستقرارها الاقتصادي، ومن جهة أخرى لا ترغب في أن تتحول أراضيها إلى ساحات صراع. لذلك، تتبنى هذه الدول سياسة مزدوجة: دعم التهدئة والانخراط في ترتيبات إقليمية، مع الحفاظ على شراكاتها الأمنية مع واشنطن.وقد أظهرت التجارب الأخيرة أن دول الخليج باتت أكثر استقلالية في مقارباتها، وتسعى إلى لعب دور الوسيط أو الموازن بدلًا من الاكتفاء بدور المتلقي لتداعيات الصراع، وايجاد معادلة بينية تمكنها من جوار آمن ومستقر مع طهران.سادساً: الرؤية الإسرائيلية… من الاحتواء إلى الحسمفي المقابل، تدفع إسرائيل باتجاه مقاربة أكثر حدة، تقوم على فكرة “الحسم الاستراتيجي” بالعودة للحرب بدلًا من الاحتواء. فهي ترى أن أي اتفاق مع إيران يمنحها وقتًا إضافيًا لتعزيز قدراتها، وتفضل خيار إضعافها جذريًا، سواء عبر ضرب برنامجها النووي أو تقويض نفوذها الإقليمي.هذا التباين بين واشنطن وتل أبيب يضيف طبقة إضافية من التعقيد، إذ تجد الإدارة الأمريكية نفسها بين خيارين: إما التهدئة عبر التفاوض، أو الانجرار إلى تصعيد قد لا تريده، لكنه مفروض عليها بحكم التحالفات والضغوط الداخلية.خاتمة: التفاوض كضرورة… لا كخيارفي ضوء هذه المعطيات، يبدو أن عودة التفاوض بين الولايات المتحدة وإيران ليست خيارًا بقدر ما هي ضرورة فرضتها حدود القوة وتكاليف الحرب. فالتصعيد، مهما بلغ مداه، لا يقدم حلولًا مستدامة، بل يرفع كلفة الأزمة على جميع الأطراف.لكن هذا التفاوض، إن عاد، لن يكون نسخة مكررة من الاتفاقات السابقة، بل سيتشكل وفق توازنات جديدة، حيث تتداخل ملفات النووي بالاقتصاد، والأمن الإقليمي بالطموحات الجيوسياسية.وفي نهاية المطاف، تبقى المنطقة رهينة هذه المعادلة الدقيقة: حرب لا يريدها أحد، وسلام لا يثق به أحد. وبينهما، يستمر التفاوض كجسر هش فوق بحر من الشكوك والتوترات عين تنظر للحوار ويد تبقى على الزناد!؟.——————٢٠ أبريل ٢٠٢٦ م
