تقرير : اخبار السودان
تتجه الأوضاع المعيشية في السودان نحو مزيد من التعقيد، في ظل تداخل تداعيات الحرب الداخلية مع متغيرات إقليمية ودولية، انعكست بشكل مباشر على أسعار السلع والخدمات، وأثقلت كاهل المواطنين في مختلف أنحاء البلاد.
واقع يومي يزداد صعوبة:
في الأسواق، تبدو الأزمة حاضرة في تفاصيل الحياة اليومية، حيث يواجه المواطنون صعوبات متزايدة في تلبية احتياجاتهم الأساسية، وسط حالة من عدم اليقين بشأن استقرار الأسعار.
يقول أحمد عبد الله، موظف، لـ”أخبار السودان”: “بقينا نعيش يوم بيوم.. ما في استقرار في الأسعار، وأي زيادة بسيطة بتأثر علينا بشكل كبير.”
وتضيف إحدى ربات المنازل:
“بنحاول نتأقلم، لكن الوضع بقى أصعب.. بقينا نقلل في الأكل ونأجل حاجات مهمة عشان نقدر نكمل الشهر.”
ويعكس هذا الواقع تراجعًا ملحوظًا في القدرة الشرائية، وتغيرًا في أنماط الاستهلاك، حيث باتت الأولويات تقتصر على الضروريات.
الأسواق تحت ضغط التكاليف :
تشهد الأسواق حالة من عدم الاستقرار نتيجة ارتفاع تكاليف النقل والإمداد، إلى جانب تأثرها بتقلبات أسعار الطاقة عالميًا.
ويقول التاجر طارق محمد لـ”أخبار السودان”: “أي زيادة في الوقود بتنعكس مباشرة على الأسعار.. حتى الترحيل بقى مكلف جدًا، وده بيأثر على كل السلع.”
من جانبه، يوضح المحلل الاقتصادي محمد الناير أن الاقتصاد السوداني يمر بمرحلة حرجة بفعل تداعيات الحرب التي اندلعت في أبريل 2023، مشيرًا إلى تدهور كبير في المؤشرات الاقتصادية، أبرزها الانخفاض الحاد في قيمة العملة الوطنية، وارتفاع معدلات التضخم والبطالة.
ويحذر من أن الزيادات الأخيرة في أسعار المحروقات مرشحة لإحداث موجة تضخم جديدة، قد تقود إلى ارتفاعات غير مسبوقة في أسعار السلع والخدمات، وتنعكس سلبًا على النشاط التجاري.
ويضيف أن المحروقات تمثل عنصرًا أساسيًا في تكلفة الإنتاج والنقل، ما يجعل أي ارتفاع فيها ينتقل سريعًا إلى مختلف القطاعات.
كما ينتقد غياب سياسات فعالة لإدارة ملف الوقود، مشيرًا إلى أن تكوين مخزون استراتيجي والتدخل في الاستيراد كان يمكن أن يسهم في تخفيف حدة الارتفاعات.
تأثيرات إقليمية تضاعف الأزمة :
لا تنفصل الأزمة المعيشية في السودان عن التطورات الإقليمية، خاصة التوترات في الشرق الأوسط، التي ألقت بظلالها على أسواق الطاقة العالمية.
ووفقًا للناير، فإن هذه التوترات، وما تثيره من مخاوف بشأن إمدادات النفط، أسهمت في رفع الأسعار عالميًا، الأمر الذي انعكس على السودان عبر زيادة تكلفة الاستيراد.
ورغم أن السودان لا يعتمد بشكل مباشر على ممرات استراتيجية مثل مضيق هرمز، إلا أن ارتباطه بالسوق العالمي يجعله عرضة لتقلبات أسعار النفط، خاصة في ظل ضعف البنية الاقتصادية الداخلية.
بين ضغط الداخل والخارج :
تتجلى تعقيدات المشهد الاقتصادي في تزامن عاملين رئيسيين:
الحرب الداخلية التي عطلت الإنتاج وأربكت سلاسل الإمداد، والتطورات الإقليمية التي رفعت تكلفة الطاقة عالميًا.
هذا التداخل خلق بيئة اقتصادية هشة، باتت فيها الأسواق أكثر عرضة للتقلبات، وأقل قدرة على امتصاص الصدمات، ما يفاقم من حدة الأزمة المعيشية.
تحذيرات من اتساع الضغوط:
يحذر الناير من أن استمرار ارتفاع أسعار الوقود وتدهور سعر الصرف قد يؤدي إلى تصاعد الضغوط التضخمية، وتباطؤ النشاط التجاري نتيجة حالة الترقب، إلى جانب زيادة الأعباء على المواطنين في ظل ضعف الدخول.
ويشير إلى أن من أبرز اختلالات السوق السوداني أن الأسعار لا تنخفض بسهولة حتى بعد تراجع أسباب ارتفاعها، ما يؤدي إلى تراكم الأعباء على المستهلكين.
الحاجة إلى إدارة أزمة فعالة
ويدعو الناير إلى تبني نهج قائم على إدارة الأزمة، عبر تكوين احتياطيات من السلع الأساسية، وضبط الأسواق للحد من الممارسات الاحتكارية، إلى جانب تسهيل إجراءات الاستيراد، ومراجعة الرسوم والضرائب المفروضة على المحروقات بصورة مؤقتة.
كما يشدد على أهمية تدخل الدولة لامتصاص الصدمات السعرية، على غرار تجارب دول أخرى لجأت إلى خفض الضرائب على الوقود للحفاظ على استقرار الأسواق.
أزمة مركبة وسيناريو مفتوح :
تعكس الأوضاع الراهنة في السودان أزمة مركبة تتجاوز حدود الاقتصاد المحلي، حيث تتقاطع تداعيات الحرب الداخلية مع التأثيرات الإقليمية والدولية، لتفرض واقعًا معيشيًا ضاغطًا على المواطنين.
وفي ظل استمرار هذه العوامل، يبقى السؤال مفتوحًا حول قدرة الاقتصاد السوداني على امتصاص الصدمات، وما إذا كانت البلاد تتجه نحو انفراجة تدريجية أم مزيد من التعقيد في المرحلة المقبلة.
