تقرير :اخبار السودان
تجدد الجدل في الأوساط الاقتصادية حول وضع إمدادات الوقود في السودان، عقب تصريحات لوزير الطاقة أكد فيها عدم وجود أي أزمة في توفر المواد البترولية، في وقت تشير فيه تطورات الأوضاع في الشرق الأوسط وتقلبات أسعار النفط العالمية إلى احتمال تعرض الإمدادات لضغوط خلال الفترة المقبلة.
ويعتمد السودان بصورة كبيرة على استيراد المشتقات النفطية لتغطية احتياجاته المحلية، ما يجعل السوق المحلي شديد الحساسية لأي اضطرابات في سلاسل الإمداد العالمية أو ارتفاعات مفاجئة في أسعار النفط.
تطمينات حكومية :
أكد وزير الطاقة أن البلاد لا تواجه مشكلة في توفر الوقود، مشيراً إلى أن الإمدادات تسير بصورة طبيعية وأن الوزارة تعمل على ترتيبات تضمن استمرار تدفق المواد البترولية إلى الأسواق.
وتأتي هذه التصريحات في وقت تتزايد فيه مخاوف المواطنين من انعكاسات التوترات الجيوسياسية في الشرق الأوسط على أسواق الطاقة العالمية، خاصة مع احتمالات ارتفاع أسعار النفط أو تعطل بعض طرق الإمداد.
ترتيبات جديدة لاستيراد الوقود
وفي إطار مساعيها لتنظيم السوق، أعلنت وزارة الطاقة المضي قدماً في تنفيذ برنامج لاستيراد الوقود بالتعاون مع شركات القطاع الخاص، حيث جرى تنظيم نحو 30 شركة في خمس مجموعات بهدف تسهيل عمليات الاستيراد وضمان استقرار الإمدادات.
وتقول الوزارة إن هذه الخطوة تهدف إلى تقليل المخاطر المرتبطة بتوفير التمويل والشحن، عبر تنسيق الجهود بين الشركات العاملة في القطاع.
غير أن هذه الترتيبات أثارت تساؤلات داخل قطاع الطاقة حول مدى استيفاء جميع الشركات المشاركة للشروط الفنية والمالية المطلوبة للعمل في مجال استيراد الوقود، وهو نشاط يحتاج إلى قدرات تمويلية كبيرة وخبرة في التعامل مع الأسواق العالمية.
شركات مؤثرة في السوق
وتشير مصادر في قطاع الطاقة إلى أن نحو 15 شركة تعد الأكثر حضوراً في سوق استيراد وتسويق الوقود في السودان، من بينها شركات حكومية مثل النيل للبترول وبشائر للطاقة وسودابت، إلى جانب شركات خاصة مثل Nepta Petroleum وRP Limited وPetrojailey وغيرها من الشركات العاملة في مجال الاستيراد والتوزيع.
لكن المصادر أوضحت أن السوق الفعلي تسيطر عليه أقل من عشر شركات فقط، نتيجة صعوبات التمويل وفتح الاعتمادات البنكية، فضلاً عن تحديات النقل والتأمين في ظل الظروف الاقتصادية والأمنية الحالية.
خروج شركات من السوق :
كما يشير خبراء في قطاع الطاقة إلى أن عدداً من الشركات التي كانت تنشط في استيراد وتسويق الوقود خلال السنوات الماضية خرجت من السوق أو قلصت نشاطها بشكل كبير بسبب الحرب وصعوبات التمويل، ما أدى إلى تقلص عدد الشركات الفاعلة فعلياً في القطاع وتركيز النشاط في أيدي عدد محدود من الشركات الكبرى.
وقال خبير في مجال الطاقة فضل عدم ذكر اسمه ل “اخبار السودان” إن الحرب والظروف الاقتصادية المعقدة أدت إلى تراجع قدرة العديد من الشركات على الاستمرار في السوق، خاصة في ظل الارتفاع الكبير في تكاليف الاستيراد والشحن.
تحذيرات من تداعيات الحرب
وفي موازاة ذلك، حذر خبراء في مجال الطاقة والاقتصاد من سيناريوهات سلبية قد تطال الاقتصاد السوداني وقطاع الطاقة بشكل خاص، نظراً لاعتماد البلاد على استيراد الوقود من الخارج، لاسيما من دول الخليج العربي التي تشهد توترات عسكرية متصاعدة.
ورسم وزير الطاقة السابق عادل علي إبراهيم صورة أكثر تشاؤماً للوضع، معتبراً أن الحرب والفساد أضعفا قطاع استيراد وتوزيع الوقود.
وقال في حديثه لـ”اخبار السودان ” إن النظام الحالي يعاني من اختلالات كبيرة، مشيراً إلى ما وصفه بسيطرة “لوبي شركات خاصة” على القرار، الأمر الذي أضعف قدرة الوزارة على إدارة الملف بكفاءة.
بدوره توقع المحلل الاقتصادي عبد العظيم المهل أن يتأثر السودان سلباً بارتفاع أسعار الوقود والغاز عالمياً، مشيراً إلى أن أسعار الغاز ارتفعت بأكثر من 50%، ما قد يضاعف الأثر داخلياً بفعل المضاربات.
وأوضح في حديثه ل ” اخبار السودان” أن الأزمة المحتملة لن تقتصر على الوقود، بل قد تمتد إلى ارتفاع أسعار اليوريا والأسمدة والمبيدات، الأمر الذي يهدد الموسم الزراعي الصيفي المقبل ويرفع تكلفة الإنتاج الزراعي.
فرصة محتملة بورتسودان :
ورغم هذه المخاوف، أشار المهل إلى فرصة محتملة تتمثل في تنشيط ميناء بورتسودان إذا تحولت بعض مسارات التجارة العالمية إلى البحر الأحمر، ما قد يعزز دوره كمركز إمداد إقليمي لبعض الدول الأفريقية، شريطة تحسين البنية التحتية وإدارة الملف بكفاءة.
كما حذر من تأثيرات غير مباشرة للحرب، من بينها تأثر الشركاء الخليجيين – الذين يعدون من أبرز الداعمين للسودان – إضافة إلى احتمالات تراجع أوضاع أكثر من مليون سوداني يعملون في دول الخليج في حال اتسعت دائرة الصراع.
مخاوف حكومية
من جانبه توقع وزير المالية جبريل إبراهيم تداعيات “سالبة وقاسية” على الاقتصاد السوداني نتيجة الحرب، مشيراً إلى احتمال حدوث شح في بعض السلع بسبب اضطراب سلاسل الإمداد العالمية.
وقال في تصريحات صحفية محدودة ببورتسودان إن ارتفاع أسعار الذهب والمشتقات البترولية عالمياً سينعكس مباشرة على الداخل، محذراً من تأثر الإمدادات التي تمر عبر مضيقي هرمز وباب المندب.
بين تطمينات الحكومة وواقع السوق:
وبينما تؤكد الحكومة استقرار الإمدادات وعدم وجود أزمة في الوقود، يرى مراقبون أن استقرار السوق سيظل مرتبطاً بقدرة الدولة والشركات على تأمين التمويل والاستيراد المنتظم في ظل الأوضاع الإقليمية المتقلبة.
ومع استمرار التوترات في الشرق الأوسط وتقلبات أسواق الطاقة العالمية، يبقى السؤال المطروح في الأوساط الاقتصادية:
هل يملك السودان مخزوناً كافياً من الوقود يضمن استقرار الإمدادات، أم أن السوق قد يواجه تحديات تظهر آثارها خلال الفترة المقبلة؟
