السودانيون في مصر بين الواقع والحديث الناعم


بروفيسور صلاح محمد إبراهيم

يعتبر الفريق كمال علي صالح قائد سلاح المهندسين وقائد منطقة بحر الغزال العسكرية والملحق العسكري الأسبق في القاهرة أول من ناقش رسالة دكتوراه عن اللاجئين في تاريخ المؤسسات الأكاديمية والجامعات خلال التسعينيات من القرن الماضي في مصر، ذلك لأن مصر لم يكن لديها قوانين عن اللجوء وكان يتم التعامل مع الوافدين العرب وخاصة السودانيين بخصوصية منذ عصر محمد على باشا وخلال فترة الحكم الثنائي البريطاني المصري… واستمر الحال على ما هو عليه في التعامل معهم وتعززت تلك الخصوصية بعد توقيع اتفاقيات التكامل السوداني المصري في فترة مايو في الثمانينيات ، ثم لبعض الوقت خلال فترة الحريات الأربعة القصيرة في فترة حكم الإنقاذ.
أول أمس التقى وزير الخارجية السوداني محي الدين سالم بنظيره المصري السفير بدر عبد العاطي، وصدر بيان مشترك كرر الحديث الناعم عن تطوير العلاقات بين البلدين وتحسين أوضاع السودانيين في مصر التي تحتضن بضعة ملايين لا يعرف عددهم على وجه الدقة مع تضارب الأرقام بين اثنين إلى ستة ملايين ، ولكن الذي أعلمه أن سفار السودان في التسعينيات قد أجرت تعداداً للسودانيين من خلال اندية الجالية في كل محافظات مصر ولم يتجاوز عدد الجالية المقيمة منذ سنوات طويلة بطريقة دائمة ال ( 200 ألف) ، وهو في النهاية ربما يكون تقديري ومن المستبعد أن يصل عدد الجالية إلى أربعة ملايين بعد هذه السنوات كما تشير بعض التقارير الصحفية.
العدد الذي تعتمده مفوضية اللاجئين بعد الحرب أقل الان من مليون، ومن الصعب أن يكون قد دخل إلى مصر عدة ملايين بعد الحرب عن طريق المنافذ الشرعية فلا الوقت ولا مواعين النقل تسمح بنقل هذا العدد خلال عام أو ثلاثة أعوام.
ما لم تقله الدبلوماسية السودانية وسفير السودان في القاهرة بعيداً عن الحديث الناعم هو ان مصر قد أعدت لأول مرة في تاريخها قانون للجوء، اعتقد هو الان أمام مجلس الشعب المصري إن لم يمن قد تمت مناقشته واجازته بالفعل…وهو قانون ليس مقصوداً به اللاجئين السودانيين وحدهم، ولكنه يعالج أوضاع تدفقات اللاجئين الذين وصلوا من الدول التي تعاني من مشكلات وحروب مثل السودان.
تحدث السيد السفير في مؤتمره الصحفي الأسبوع الماضي بالتفصيل عن أوضاع اللاجئين السودانيين ولكنه لم يشر إلى الحالة المستقبلية إلى التي سوف يكون عليها وضع اللاجئ حال التطبيق الفعلي لقانون اللجوء في مصر، والذي بموجبه سوف يصبح كل الذين سجلوا أنفسهم من سودانيين أو غير سودانيين لاجئين فعليين لأول مرة في تاريخ مصر ، ونسبة للعدد الكبير من السودانيين الذين دخلوا مصر بطريقة غير شرعية عبر الحدود المفتوحة بين السودان ومصر، يصبح من حق مصر التي تعاني من أوضاع اقتصادية تجتهد الدولة المصرية في تحسينها بالنسبة للفرد المصري أن تعالج وضع السودانيين اللاجئين.
وفقاً لقانون اللجوء قد تجد مصر نفسها مضطرة بالتعاون مع مفوضية اللاجئين التابعة للأمم المتحدة لتحديد أماكن في أي مكان تختاره وليس بالضرورة القاهرة و ربما قرب الحدود السودانية مثلاً لهذا العدد الكبير من السودانيين الذين ساهموا في رفع الإيجارات أو الضغط على انسياب السلع التموينية خاصة في الأحياء الشعبية، والحقيقة هناك قوة شرائية ضخمة من قبل السودانيين بفعل التدفقات النقدية التي تصل للكثيرين منهم من أبنائهم في دول الخليج أو بعض الدول الأوروبية.
هناك واقع جديد في مصر يلوح في المدى القريب و لابد للسودانيين الذين دخلوا بطريقة غير شرعية في مصر من التعامل معه بطريقة جادة وواقعية بعيداً عن تطمينات الدبلوماسية الناعمة التي تأخذ في الحسبان اعتبارات سياسية رطبة ولطيفة، مع قانون اللجوء المصري لابد لكل السودانيين الذين دخلوا بطريقة غير شرعية أن يعلموا أن القانون يعطي الحق للحكومة المصرية التعامل مع حالة اللجوء وفقاً لقانون اللجوء الجديد، كما تفعل حكومة السودان الان مع مفوضية اللاجئين التي طلبت منها نقل اللاجئين من الخرطوم إلى المناطق الحدودية وهو حق يكفله القانون الدولي لكل حكومة، قد يكون للحكومة المصرية تقديرات سياسية للتعامل مع السودانيين ولكن ذلك يظل مجرد حالة سياسية وليست قانونية.
في ظل هذا الواقع الذي يحيط به الغموض بالنسبة لمئات الآلاف من الذين دخلوا مصر بطريقة غير شرعية، تطل علينا صورة متناقضة لمنازل وفلل فخمة فارغة وخاوية في احياء الخرطوم المختلفة تنتظر عودة أصحابها والتي أصبحت عرضة للتعدي عليها من بعض اللصوص أو من نازح إلى الخرطوم وجد منزلاً فارغاً في ظل الهشاشة الأمنية وبسبب غياب أصحابه اتخذه مسكنًا يأويه… وعندما يعود صاحبه ويلجأ إلى القانون ربما ينطبق عليه المقولة المعروفة في الدوائر القانونية المصرية يبقى الحال على ما هو عليه إلى أن يتم الفصل في القضية أمام المحاكم.