بروفيسور صلاح محمد إبراهيم
خلال إخفاقاتنا السياسية المتكررة ودورات الحكم الفاشلة بين نظم عسكرية وديمقراطية لا يدرك الكثير من الليبراليين الجدد الذين يحلمون بالحكم الديمقراطي وتكرار تجربة وستمنستر في السودان أن من الصعب إن لم يكن من المستحيل تجاوز علاقة الزواج بين السلطة والدين والنظام الطائفي، وهو أمر ظاهر دون لبث أو غموض في التجربة الليبرالية الغربية في موطنها الأصلي وفي العالم الجديد عبر الأطلنطي .
عامل الدين كان ظاهراً في حركة الإصلاح البروتستانتية التي انشقت عن المذهب الكاثوليكي في أوروبا وسيطرت بعد ذلك على الحكم في كل من إنجلترا ثم المملكة المتحدة من خلال كنيسة كانتربري في لندن ثم انتقلت بعد ذلك مع المهاجرين إلى أميركا.
في تاريخ الذي أميركا ( 238 عاماً ) لم يصل إلى البيت الأبيض إلا رئيسان كاثوليكيان…بسبب سيطرة المذهب البروتستانتي على الرئاسة في البيت الأبيض ، و في بريطانيا خرجت جمهورية ايرلندا الكاثوليكية عن بريطانيا وظلت بريطانيا في حالة نزاع مسلح مع الايرلنديين الشماليين لسنوات طويلة. وفي الولايات المتحدة الأميركية سيطر البروتستانت على الحكم في البيت الأبيض منذ استقلال اميركا عام 1787 عن بريطانيا، لم يتمكن جون كيندي الكاثوليكي من الوصول إلى البيت الأبيض إلا بعد 173 عاما من الاستقلال ، واستغرق وصول جو بايدن الكاثوليكي إلى البيت الأبيض بعده خمسين عاماً… ويعزي البعض فشل كاميلا هاريس للوصول إلى البيت الأبيض بسبب ارتباطها بالكنيسة المعمدانية التي لها ارتباطات بالكنيسة الكاثوليكية.
في التجربة السودانية كان للعامل الطائفي الديني الدور الأكبر في فشل التجربة الديمقراطية رغم أن المذهب السني هو السائد وسط كل الطوائف الدينية … ولكن وحدة المذهب لم تنجح في حفظ وحدة الخلافة الإسلامية ولعل ما حدث بين بين الدولتين الأموية والعباسية من صراعات رغم اتفاقهما في المذهب السني دليل على أن الخلافات تحدث ايضاً رغم وحدة المذهب الديني بسبب خلافات اجتهادية وعقائدية… وهي عندنا في السودان توجد بين طائفتي الانصار والختمية وشكلت هذه الخلافات المشهد السياسي منذ الاستقلال.
كان لطائف الأنصار دور كبير في فشل وحدة السودان ومصر بعد دورها في حوادث مارس عام 1954، ثم اتفقت الطائفتان في لقاء السيدين عام 1956على اقصاء رئيس الوزراء إسماعيل الأزهري واستبداله باللواء عبد خليل.. ثم بعد ذلك باركت الطائفتان انقلاب الفريق عبود عام 1958.
واستمر دور الطائفتين الديني في زعزعة استقرار السودان والتجربة الديمقراطية عندما تم تعديل الدستور عام بهدف اقصاء رئيس الوزراء محمد أحمد محجوب واستبداله بالسيد الصادق المهدي من طائفة الأنصار عام 1966، واحتفاظ السيد أحمد الميرغني من طائفة الختمية برئاسة مجلس السيادة… ثم كان للعامل الطائفي والديني دوراً في ابعاد نواب الحزب الشيوعي المنتخبين من البرلمان في ديسمبر 1965… واستمر الساقية في الدوران إلى أن نشب الخلاف حول اتفاقية الميرغني قرنق عام ،1989 وانقلاب الجبهة القومية الإسلامية ووصولها إلى الحكم.
الدين والسلطة توأمان لم يفترقا طوال فترة الحكم الوطني… وهو واقع تؤكده التجربة العالمية حيث ما زالت الكثير من الأحزاب في أوروبا تتمسك بالمسيحية مقرونا باسمها… لذلك الحديث المكرر من قبل النشطاء السياسيين والوسطاء عن ضرورة الوصول إلى حل سياسي لابد أن يأخذ في الاعتبار هذه الحقائق الماثلة من خلال تاريخنا السياسي والحزبي والنظر بواقعية على الواقع السياسي والطائفي والديني بتعقيداته المختلفة بعيداً عن النظريات المعلبة والاحلام الوردية المثالية.
