هل سننجو من الحياة يا يوسف؟

بقلم : أميمة عبد الله

عزيزي يوسف، الشمس هنا على الشروق، ستار يُرفع ودنيا تنكشف، زمان طويل مذ آخر مرة كتبت فيها إليك، ربما سبعة أعوام أو أكثر مع أنني وعدت في آخر خطاب آلا أغيب، لكنني غبت وأخذتني الشواغل والدروب الخطأ، كل شيء من حولي متعب وكل من هم حولي متعبين مثقلين ..

الكثير من الوعود يصعب الإيفاء بها خاصة لمن فرقتهم الأيام، تتسرب الوعود كما الرمال من بين الأصابع دون أن نشعر بها، تبقى كخيط رفيع على جانب القلب تأرجحه الأحداث، حينا نتذكرها وأغلب الأحيان نتناساها، الوعود مع السنوات تصبح ثقيلة كما الجراح العميقة التي يصعب التعافي منها كما الأوطان بعد الحروب، إما نهضت أو أخذها التيه بعيداً لتظل سنينا تترنح حتى يأتي من ينتشلها، وعودُ تُنسى وجراح لا تُشفى وأوطانُ لا تعود.

والأوطان مهمة لعامة الشعوب، المبادئ والإيمان والانتماء والتآزر هى ضروريات الحياة.

وأنا من عامة الشعب، الوطن بالنسبة لي قدر وضرورة لا يمكن العيش بعيدا عنه، والوعد مع الأشخاص في الأحدث العظيمة مغفور

الوعود الشخصية يا يوسف تصبح ثقيلة على القلب مع مرور السنوات لذلك نحاول أن نتجاهلها، أن ننساها عمدا أو نتركها على الجانب

الآن

هل ليّ أن أسألك عن يوم القيامة وفزع القلب؟

إن كان متعدداً أم يوماً واحداً في ختام الدنيا؟

وهل لـ كلُ منا قيامته الخاصة به؟

هل ستصدقني إن قلت لك أن شعباً كاملاً شهد قيامته وذاق أهوالها ونزلت بساحته المنايا وهوت حياته نحو المجهول وهو مازال في الحياة الدنيا يتنفس، شعبُ كامل غدرت به الدنيا فترك كل شيء خلفه وخرج يبحث عن النجاة، شعبٌ كامل وجد نفسه هكذا في مواجهة حرب لم يكن يظنها، حربٌ ختمت على الكثيرين بختمها فمضوا، وبعضهم حمل ختمها الذي لا تمحوه الأيام وعاش.

إن نيران الحروب لا تتغذى من دمار المنشآت وحدها، إن حرائقها تأخذ في طريقها كل شيء، البيوت والقلوب على السواء، يتغير الناس وتتغير توجهاتهم تنشأ علاقات وتنتهي أخرى، يموت بالحسرة الكثيرون، يُفقر من كان غنيا، والبعض تنجده أموال الحرب فيغنى، يرتفع البعض برافعة الحرب ويسقط آخرون، يتصدر المشهد من لا يعرفه الناس ويختفي مَن كان معروفاً بينهم، تنتهي صداقات وتنكشف أسرار ويموت الكثير في الطرقات وعلى المعابر وفي الميادين دون مقابر، في الحرب لا أحد ينجو، ذلك أمرُ معلوم

لكن الغريب أن تنجد الحرب أحدهم، أن تكون سبباً في اختفاء كل ما يخيفه، أن تحلله من وعود كانت تحاصره بالإيفاء، أحدهم كان يدعو الله بالنجاة من الدنيا ولو بالموت فتنجده الحرب نحو الحياة حتى يظن أن الله قد غير الأقدار لأجله.

إنها الدنيا عزيزي يوسف وأقدار الشعوب والتحولات المذهلة التي تلجمنا بسرعتها.

عزيزي يوسف الأعمار التي نعيشها الآن عَمرانه بالذكريات والماضي، ثرية بالنضج باذخة الهدوء، أعمار رأسية محظوظُ هو مَن جعلها الله في نصيبه، أن تأنس بوحدتك أن ترضى يقينا بنصيبك، فلا تركض ولا تستعجل ولا تبحث عن الخبيء من الأشياء، ولا تنبش سيرة أحدهم ولا تبحث خلفه، تتوقف عن انتظار المفاجآت ولا تطارد نجم الحب الوهمي ولا تستجدي العابرين إقامة، تترك البعيد لبعده ومن اختار غيرك تتركه لشأنه، هل أخبرتك عزيزي يوسف أنني الآن في هذه المرحلة بالضبط

أنا التي كنت أنتظرك قديما على نهاية الشارع وأكاد أجن إن تأخرت في المجيء، أنا التي كنت أحسب سفرك بعدد الساعات لا الأيام وأنتظر كل خطاب بلهفة مجنونة فنقرأه كلنا، الشجرة التي تظلني والطير من فوقها وحتى ضوء الشمس كان يبتهج بخطابك وكأنك كنت تسقينا الحياة من قلمك، ها نحن نتغير وصرت أتقبل كل شيء بسكينة ورضى، والذنب لم يكن ذنبك كان ذنب لهفتي وأشواقي

إن الدنيا يا يوسف ليست متغيرة فحسب بل إنها مدهشة في تبدل أحوالها، وكل ما ظننت أنك آمن منها آتتك من حيث لا تدري، إياك أن تأمن الناس والدنيا، حتى قلبك لا تأمنه، من كان قريبا يبعد مع الأيام، لا تفرح لها لأن الحزن سيتربصك حينها ويتتبعك ليقتص منك، لا تلفت انتباه الحزن إليك بإعلان فرحك، فالدنيا مواسم يا يوسف ولا شيء فيها يدوم، لا تكاد تستقر، إياك أن تركض خلفها وتطلبها فيتركك الله لسعيك،

لا تحزن لمرور العمر أتوقع الآن أنك على أعتاب الستين، ربما وصلتها وربما تقترب الآن منها، بيننا من الأعوام عشرة ومن الأعمار عمر ومن المسافات بعد الكفر من الإيمان لكنني يقينا لا يمكن أن أنسى وصاياك:

ثقي بالله وألزمي وحدتك

ما الإنسان إلا مزيج من التناقضات، اللين والقسوة، الخجل والجراءة، الحب والرغبة، ذلك التناقض مع وصاياك هو ما كان يجعلني أعيش الحياة مختلفة، أنسحب وفقا لقوانيني تطول فترة الغياب لأنها تستهويني ثم العودة مرة أخرى إلى الرفاق، وما الرفاق يا يوسف! على قلتهم غير مقيمين.

عزيزي يوسف كان ذلك الصباح استثنائيا، كنت أحدث نفسي ماذا لو تبدلت الدنيا فجأة واختفت من حولي تلك المشاهد وضاع أثر من اتبعهم وتغير طريقي؟ ماذا لو سافرت بلا عودة وانتقلت بلا جهد، وفارقت بلا مراسم وداع، ماذا لو غادرت بلا التفاتة، أمنية من عينة تلك الأمنيات التي لا تتصور وقوعها، لكنها وقعت وغادرت وفي قلبي ذكرى قليلين وأكثرهم لا يعنونني، أتدري يا يوسف حقا لقد حدث ذلك وأنا أعيشه الآن، إنني الآن في كنفٍ آخر وستر الله

في ذلك الصباح سألت الله هل يمكن أن يحدث ذلك والأحمال ثقيلة تنوء بها الأكتاف وتميل ؟

قلت في نفسي لن يحدث لأن ما أطلبه عظيم يستدعي تبدل كل الحال

والحال بمفهومنا القاصر نحن البشر قلت لنفسي لن يتبدل.

لكن كيف والله عز وجل يقول فقط للأشياء كوني فتكون، إنها الدنيا يا يوسف متبدلُ حالها متغيرة أحوالها.

لم تعد أنت، صار الوطن حريقا بين الأشجار والجبال، وهام الناس في الجهات الأربع وصار الليل كله أحزان وقام بين الإطمئنان وبيننا جدار وصارت خيمتي كبدٌ على حسرة مَن تراه يعود أولاً أنت يا يوسف أم بلدي

أميمة عبد الله
يناير ٢٠٢٦ م