خالد التيجاني النور يكتب (لاخبار السودان) تنقيب في دفاتر حولية الحرب (1) فعاليات باريس: وصفة لإنهاء الحرب، أم لإدارة الأزمة؟

بين يدي هذه السلسلة من المقالات حول حولية الحرب وتداعياتها على خلفية الجدل الذي أثارته فعاليات مؤتمر باريس بشأن السودان منتصف أبريل الجاري، نحاول سبر أغوار خلفيات وسياقات ودواعي هذه الفعاليات الثلاث وأجندتها وما خلصت إليه.
وإلى أي مدى استطاعت مخرجاتها الإجابة على سؤال جوهري إن كان نهجها قارب قضية الحرب في السودان برؤية ثاقبة من زوايا مختلفة، ترتاد آفاقاً جديدة لحلول بديلة مفارقة للسرديات المتداولة منذ ما قبل إندلاع الحرب، بما يسهم حقاً في طي صفحتها ووضع أوزارها.
أم أن حصيلتها جاءت مجرد اجترار لتلك السرديات العتيقة لتلقى بالمزيد من الشكوك حول جدية الإرادة الدولية لإنهاء الحرب، لتبدو مشغولة بإدارة الأزمة أكثر من عنايتها بحلول ناجعة لها.
2
لا شك أن عوامل الصراع السياسي الداخلي الصفري تجعل الأطراف السودانية تتحمل العبء الأكبر بأوزان نسبية مختلفة من المسؤولية عن الإنزلاق إلى الاحتكام إلى البندقية، لكن الصحيح أيضاً أن عوامل التدخل الخارجي، كانت حاضرة بقوة في قلب هذا الصراع، مما يجعل إسهام المجتمع الدولي لا يقل تأثيراً فيما آلت إليها الأمور لتنتج حرباً، بدلاً من تحوّل راشد كان مأمولاً، كسابقة في سياق انتقالي عقب انتفاضة.
مهما يكن من أمر فإن تذكّر مرور الحول على هذه الحرب، بكل تبعاتها المأساوية وتضحياتها، بأية تدابير لن تكون ذات جدوى إن لم تكن عظتها حاضرة عند كل الأطراف، داخلياً وخارجياً، ومنفتحة على عقل نقدي لسردياتها ودوافعها القصيرة النظر التي أنتجت هذا التهديد الوجودي الجدي للدولة السودانية.
3
فهل ثمة ما يفيد، ونحن في مقام تحليل مردود فعاليات باريس، إن كان المجتمع الدولي تعلّم شيئاً من الدروس القاسية التي يدفع ثمنها المواطنون تتجاوز إبداء مشاعر عاطفية مع ضحايا الحرب، والتبرع ببعض المال، إلى توفر إرادة جدية تقدم حلولا واقعية تسهم في علاج جذور أسباب الصراع لتمنع وقوع المزيد من المآسي، أم تكتفى بمعالجات ظرفية تسكن بعض أعراضها، ويبقى السؤال هل خرج مؤتمر باريس بوصفة تنهي الحرب حقاً بعدالة، أم هي مجرد تدابير عارضة لإدارة أزمتها على نحو يفضي إلى استدامتها.
4
ثم هل جاء هذا الاهتمام الدولي ، الذي لبث عاماً كاملاً صامتاً ليتلفت فجأة إلى الأزمة الإنسانية في السودان، مدفوعاً للعناية بأمره خاصةً ولذاته، أم أنه أُتخذ مناسبة لمخاطبة مشاغل أكثر إلحاحاً للرعاة على خلفية تطورات جيواسترايجية وتحولات سياسية بالغة الدلالة في محيط أمنها القومي الحيوي باتت تشكل تهديدا ماثلاً ليس لهيمنة “المركزية الأوروبية فحسب في خضم امتحان قاسٍ لصدقية معاييرها الأخلاقية، بل كذلك لمصالحها الاستراتيجية اقتصادياً وسياسياً وأمنياً.
هذه التساؤلات وغيرها تبحث لها هذه السلسلة من المقالات على أجوبة بتحليلات مستندة على البراهين.
5
من بين الفعاليات الثلاث التي استضافتها باريس الأسبوع الماضي بشأن السودان وتداعيات الحرب على جواره الإقليمي، وهي الاجتماع الوزاري السياسي، والمؤتمر الإنساني، والحوار السوداني، تبرز الفعالية الأولى باجتماع “وزراء الشؤون الخارجية وممثلو الدول والمنظمات الدولية والإقليمية” تحت عنوان “دعم مبادرات السلام من أجل السودان” الأكثر أهمية من حيث جدوى مردوده في إمكانية تجاوز التعاطي مع تبعات الحرب، إلى القدرة الفعلية على تحقيق هدف وقف الحرب وبسط السلام.
والسؤال الجوهري إلى مدى يشكّل “إعلان المبادئ” الصادر عن هذا الاجتماع أرضية واقعية ومنطقية وفعّالة تسهم “في تسوية النزاع في السودان على نحوٍ سلمي، مع الحرص على تطلعات الشعب السوداني وسيادة السودان ووحدته وسلامة أراضيه” كما ورد في ديباجته؟.
6
قبل الولوج إلى تحليل أجندة ومحتوى “إعلان المبادئ”، ومن ثم “المؤتمر الإنساني”، و”الحوار السوداني” تباعاً، يستحسن أن نقرأ السياق الذي جرت فيه هذه الفعاليات، ففي 7 فبراير الماضي وجهت الأمم المتحدة وشركاؤها نداءً ل”توفير 4.1 مليار دولار، لتلبية الاحتياجات الإنسانية الأكثر إلحاحا للمدنيين داخل السودان وأولئك الذين فروا إلى البلدان المجاورة”.
وما لبث أن أعلن وزير الخارجية الفرنسي ستيفان سيغورنيه في 15 فبراير خلال جلسة استماع في الجمعية الوطنية: “سنستضيف في باريس يوم 15 أبريل مؤتمراً إنسانياً للسودان والدول المجاورة للمساعدة في حل هذه الأزمة الإنسانية المأساوية” مضيفاً “يجب “ألا تصبح هذه أزمة منسية”.
7
هكذا بدأ الأمر مبادرة فرنسية حصرية تجاوباً مع نداء الأمم المتحدة الإنساني لحث المانحين لتمويل خطتي الاستجابة لاحتياجات النازحين داخل السودان واللاجئين إلى دول الجوار، ولكن لماذا جاءت المبادرة بادئ الأمر من فرنسا تحديداً، قبل أن تنضم إليها الاتحاد الأوروبي وألمانيا لاحقاً؟
يمكن قراءة الدوافع الفرنسية في سياقين، سياق رؤيتها لنفسها مكوناً أساسياً ل”المركزية الأوروبية” وإطارها الأشمل “المركزية الغربية”، والسياق الآخر في إطار مصالحها الاستراتيجية على خلفية التراجع المتسارع لنفوذها ودورها في ضوء التحولات الجيوبولوتيكية المناهضة لباريس في حزام السهل الأفريقي، لاسيما بعد الانتخابات السنغالية الأخيرة التي أضافت بعداً شعبياً ديمقراطياً جديداً للخطاب المعادي لفرنساً يتجاوز كونه خطاباً معبراً عن الانقلابيين في المنطقة.