الخرطوم: اخبار السودان
تثير الجولات الميدانية التي تنفذها لجنة تهيئة المناخ للحوار السوداني–السوداني في عدد من الولايات، بهدف التعريف بالحوار والتواصل مع الطرق الصوفية والكيانات المجتمعية، تساؤلات بشأن مدى وصول رسالته إلى القواعد المجتمعية، وقدرته على كسب ثقة مكونات المجتمع المختلفة، في ظل تعقيدات المشهد السوداني وتباين المواقف من المبادرات المطروحة لإنهاء الأزمة.
وتأتي هذه التحركات في إطار مساعي اللجنة للتعريف بالحوار السوداني–السوداني، وشرح أهدافه ومبادئه، وفتح قنوات التواصل مع القوى المجتمعية والدينية، باعتبارها مكونات لها تأثير في تشكيل الرأي العام المحلي، ويمكن أن تسهم في تهيئة الأجواء لحوار أوسع حول قضايا الحرب والسلام ومستقبل البلاد.
جولات للتعريف بالحوار
تمثل الزيارات الميدانية للولايات إحدى الوسائل التي تعتمد عليها اللجنة في إيصال رسالتها خارج المركز، والتواصل المباشر مع الطرق الصوفية والإدارات الأهلية والكيانات المجتمعية، بما يتيح عرض أهداف الحوار والاستماع إلى وجهات نظر الفاعلين المحليين بشأن فرص نجاحه والتحديات التي تواجهه.
وتكتسب هذه الجولات أهميتها من طبيعة المجتمع السوداني، الذي تلعب فيه الطرق الصوفية والإدارات الأهلية والقيادات المجتمعية أدواراً متفاوتة في التأثير على المواقف العامة، وتسوية النزاعات المحلية، وتعزيز الروابط بين مكونات المجتمع. ومن ثم، فإن التواصل مع هذه المكونات يمكن أن يشكل مدخلاً لتوسيع دائرة التعريف بالحوار، إذا اقترن بمشاركة فعلية في مناقشة قضاياه ومخرجاته.
وشملت زيارات لجنة المسار المجتمعي، برئاسة البروفيسور محمد جلال هاشم، عدداً من الولايات والمناطق، من بينها ولايتا القضارف وكسلا، إلى جانب منطقتي طيبة الشيخ عبد الباقي وأبو حراز بولاية الجزيرة، وذلك في إطار جهود التعريف بالحوار السوداني–السوداني والتواصل مع الطرق الصوفية والكيانات المجتمعية.
ومن المتوقع أن تواصل اللجنة جولاتها خلال الفترة المقبلة لتشمل عدداً من الولايات الأخرى، في مسعى لتوسيع دائرة التواصل المجتمعي والتعريف بأهداف الحوار ومبادئه.
غير أن تنفيذ الزيارات وعقد اللقاءات، على أهميتهما، لا يكفيان وحدهما للحكم على مدى انتشار فكرة الحوار أو حجم القبول به؛ إذ يتطلب ذلك معرفة طبيعة المشاركة، ومستوى التفاعل مع الطروحات المقدمة، ومدى استجابة اللجنة للملاحظات والمطالب التي تطرحها الجهات التي تلتقيها.
بين التعريف والقبول
يظل السؤال الأساسي هو: إلى أي مدى تحولت الجولات الميدانية من نشاط تعريفي إلى عملية تواصل مجتمعي قادرة على بناء الثقة وتوسيع المشاركة؟
فالتعريف بالحوار يعني إيصال المعلومات المتعلقة بأهدافه وآلياته والقضايا التي يناقشها، بينما يتجاوز القبول المجتمعي ذلك إلى اقتناع المشاركين بجدواه، وثقتهم في فرص نجاحه، وشعورهم بأن أصواتهم ومواقفهم ستكون حاضرة في مساره ومخرجاته.
وفي هذا السياق، تبرز أهمية وضوح الرسالة التي تقدمها اللجنة بشأن طبيعة الحوار، والقوى المشاركة فيه، والضمانات التي تكفل استقلاليته وشموليته، إلى جانب الإجابة عن التساؤلات المتعلقة بتمثيل النازحين واللاجئين والنساء والشباب وسائر المكونات المتأثرة بالحرب.
كما أن تعدد اللقاءات واتساع نطاقها الجغرافي لا يعنيان بالضرورة تحقق إجماع حول الحوار؛ فالمجتمعات المحلية ليست كتلة واحدة، وقد تتباين مواقفها تبعاً للأوضاع الأمنية والاقتصادية والاجتماعية، ولتجاربها مع المبادرات السياسية السابقة، ومدى ارتباطها المباشر بقضايا الحرب والسلام.
تحديات أمام اللجنة
تواجه جهود التعريف بالحوار تحدياً يتمثل في الانتقال من اللقاءات المحدودة إلى تواصل أوسع يصل إلى المواطنين في المدن والأرياف ومناطق النزوح، ولا يقتصر على القيادات والواجهات المجتمعية. كما تبرز الحاجة إلى آليات تتيح للمشاركين متابعة ما يحدث لمقترحاتهم، ومعرفة الكيفية التي ستنعكس بها ملاحظاتهم على أجندة الحوار.
ويظل بناء الثقة عاملاً محورياً في هذا المسار، خصوصاً في ظل الحرب وما خلفته من انقسامات اجتماعية وسياسية، فضلاً عن المخاوف المرتبطة بتمثيل الأطراف المختلفة وضمان عدم إقصاء أي مكون من المكونات الوطنية.
ومن هنا، فإن قياس أثر الجولات لا ينبغي أن يقتصر على عدد الولايات التي شملتها أو اللقاءات التي عقدتها، بل يمتد إلى حجم المشاركة وتنوعها، وطبيعة القضايا التي أثيرت خلالها، ومدى وجود متابعة لاحقة، إلى جانب مؤشرات واضحة على انتقال التعريف بالحوار إلى مشاركة مجتمعية أوسع.
ما بعد الجولات الميدانية
تضع التحركات الميدانية لجنة تهيئة المناخ للحوار السوداني–السوداني أمام اختبار يتعلق بقدرتها على تحويل التواصل المباشر إلى مسار مستمر، يقوم على الاستماع المتبادل وتوسيع قاعدة المشاركة، وليس الاكتفاء بعقد اللقاءات التعريفية.
وفي هذا السياق، قال القيادي الأهلي عبد الله التوم، في حديثه لـ«منصة الحوار»، إن الجولات التي تنفذها لجنة تهيئة الحوار السوداني–السوداني تمثل خطوة مهمة للتواصل المباشر مع الإدارات الأهلية والكيانات المجتمعية، مشدداً على أن نجاح هذه الجهود يرتبط بقدرة الحوار على تقديم إجابات واضحة بشأن قضايا الحرب والسلام، وأسباب النزاع، ومستقبل الحكم في السودان.
وأضاف أن الإدارات الأهلية يمكن أن تؤدي دوراً مهماً في تقريب وجهات النظر وتهيئة المجتمعات المحلية للمشاركة في الحوار، شريطة أن تكون مشاركتها قائمة على الاستماع إلى مطالب المواطنين، لا الاكتفاء باللقاءات التعريفية.
من جانب آخر، أكد عدد من قيادات الطرق الصوفية أن هذه الطرق تمتلك امتداداً اجتماعياً واسعاً في عدد من الولايات، الأمر الذي يمنحها قدرة على الإسهام في نشر ثقافة الحوار والتسامح ونبذ خطاب الكراهية.
وأوضح الشيخ أحمد تاج الدين، في حديثه لـ«منصة الحوار»، أن الزيارات الميدانية يمكن أن تساعد في توسيع دائرة التعريف بالحوار
السوداني–السوداني، غير أن تحقيق نتائج ملموسة يتطلب استمرار التواصل مع المجتمعات، وإشراكها في مناقشة القضايا الوطنية، مع مراعاة تنوع الآراء والمواقف تجاه الأزمة الراهنة.
اتساع الجولات ومؤشرات النجاح
إن اتساع نطاق الزيارات الميدانية ليشمل ولايات ومناطق متعددة يتيح للجنة فرصة للتواصل مع مكونات مجتمعية متنوعة، لكنه يضعها في الوقت نفسه أمام مسؤولية متابعة ما تطرحه هذه المكونات من رؤى ومطالب، والعمل على إيجاد قنوات تضمن استمرار مشاركتها بعد انتهاء اللقاءات.
ويظل نجاح هذه الجهود مرتبطاً بمدى وضوح أهداف الحوار، وشفافية آلياته، وقدرته على استيعاب التباينات المجتمعية والسياسية، فضلاً عن وجود مسار عملي يتيح تحويل الملاحظات والمقترحات إلى قضايا مطروحة للنقاش.
وبين اتساع نطاق الجولات ومدى تأثيرها الفعلي، تبقى الإجابة عن مستوى القبول بالحوار في الولايات بحاجة إلى شواهد ميدانية موثقة، تشمل آراء المشاركين، ومواقف الكيانات التي التقتها اللجنة، وطبيعة الاستجابات التي أعقبت الزيارات.
فالتعريف بالحوار خطوة أولى، أما قياس نجاحها فيتطلب التحقق من مدى وصول الرسالة، وحجم الثقة التي اكتسبتها، ومدى استعداد المكونات المجتمعية للمشاركة في مسار حوار يطرح حلولاً للأزمة السودانية.
