كيف قتلنا أقوى عملة في العالم

بقلم: عاصم عثمان أحمد

تشهد البلاد في الأشهر الأخيرة انهياراً اقتصادياً غير مسبوق، انهياراً ينذر بخطر محدق بالبلاد أخطر من الحرب نفسها.

الأسعار تحترق كل صباح، والجنيه ينهار كل يوم، والمواطن الذي صبر على الرصاص والقصف والنزوح، أصبح لا يقوى على تحصيل احتياجاته اليومية، والأسواق ممتلئة بالسلع لكنها خارج طاقته.

هذه ليست أزمة حرب عادية، هذه حرب اقتصادية خارجية منظمة، وللأسف تنفذ بأيادٍ تدعي أنها سودانية.

مضاربون يتحكمون في سعر العملة من غرف مغلقة، ومهربون يهربون ذهبنا وثرواتنا جهاراً نهاراً، وتجار أزمات يحتكرون الدقيق والسكر والدواء ليبيعوه بأضعاف ثمنه.

الفساد أولاً

قبل أن نتحدث عن أي حل اقتصادي، لا بد أن نتحدث عن الفساد الذي أزكم الأنوف.

هذا الفساد هو أم الكوارث وأبوها. لا يمكن أن ينصلح اقتصاد وهناك من يربح من خرابه كل يوم.

نحن نبيع ثرواتنا خاماً بأبخس الأثمان ليستفيد الوسيط والمهرب، ونطبع أوراقاً بلا إنتاج ولا غطاء، ونترك المنافذ بلا رقابة.

ولن ينصلح الحال بلجان جديدة ولا بشعارات.

لا بد للحكومة من تغيير جذري في مفاصل الدولة، وإتاحة الفرصة للشباب الوطني الحر الواعي، الشباب الذي يقدم حب البلد على نفسه، وعلى قبيلته ومصلحته.

شباب لم تلوثه المحاصصة، وولاؤه للسودان وحده. مع حساب ومراقبة ومحاسبة علنية لكل من يضارب بقوت الشعب ويهرب خيراته. الفساد لا يعيش إلا في الظلام، والشفافية تقتله.

كيف كنا أقوى عملة؟

في عام 1960 كان الجنيه السوداني الواحد يشتري قرابة ثلاثة دولارات أمريكية، كان أقوى من الدولار ومن الجنيه الإسترليني.

كنا أقوياء لأننا كنا نزرع ونصنع. مشروع الجزيرة كان أكبر مزرعة قطن في العالم، وكنا نضيف قيمة لما نملك، ميزانية بفائض ودين صفر وبنك مركزي لا يطبع إلا بغطاء من الإنتاج.

ثم تركنا ما نملك، بعنا كل شيء خاماً بلا قيمة مضافة، ودمرنا المصانع والمشاريع.

الحل داخل الصندوق: نظرية الجزر الآمنة

لا يمكن إصلاح كل السودان مرة واحدة والحرب مستمرة. لكن 70% من السودان آمن اليوم ويستطيع أن ينقذ الجنيه ويمول تحرير الباقي.

1. جزيرة الذهب – الشمالية:

أن نوقف التهريب بأن نشتري الذهب بسعر عادل أعلى من المهرب وكاش فوري، مع منصة علنية يرى فيها الشعب كل جرام يدخل ويخرج. الذهب وحده قادر أن يثبت الجنيه.

2. جزيرة الغذاء – الجزيرة والقضارف:

أن نعود للأرض. نملك مئات الملايين من الأفدنة ونستورد قمحاً. الحل عقد مباشر مع المزارع، ازرع وأنا أشتري منك كاش. نوقف الاستيراد ونوفر العملة ونشغل الشباب.

3. جزيرة الصناعة – الخرطوم وبورتسودان:

أن لا نبيع الخام. لا نبيع الجلود خاماً لتعود إلينا حقائب، ولا الصمغ خاماً ليعود دواء، وببسي كولا، ولا السمسم خاماً ليعود زيتاً وحلويات بأضعاف الثمن. مصنع واحد في كل جزيرة يضاعف الدخل أربع مرات من نفس الكمية، ويحول المخلفات التي نرميها من قرون وأظلاف إلى ثروة.

الخلاصة

الجنيه لم يكن أقوى عملة في العالم بعبقرية خارج الصندوق، بل بوطنية داخل الصندوق.

ولن يعود قوياً بودائع دولارية أو بمؤتمر مانحين، بل عندما نحارب فساد أنفسنا قبل أن نحارب عدونا، ونضخ دماء الشباب الوطني، ونزرع أرضنا ونصنع خيراتنا ونوقف تهريب ذهبنا وثرواتنا.

الجنيه لا يقويه البنك المركزي، يقويه المزارع والمنجم والمصنع.

وعلى الحكومة تشجيع الإنتاج بدلاً عن فرض القيود من الضرائب والجبايات الباهظة.

فلتفكر داخل الصندوق.

صندوق بلدنا كنوز.

عاصم عثمان أحمد