ما الذي يُعدّه «مركز السودان أولاً» للحوار السوداني–السوداني؟

علمتُ أن مركز السودان أولاً للدراسات والتخطيط الاستراتيجي يعكف على استكمال المراجعات الفنية لمشروع وطني متكامل، يعتزم تقديمه قريبًا إلى لجنة تهيئة الحوار السوداني–السوداني، عقب الفراغ من مراجعة بعض مواد مقترح دستور أعدّه المركز لإدارة الفترة الانتقالية.

وبحسب ما توافر لي من معلومات، فإن المركز لم يكتفِ بإعداد أوراق عامة أو طرح عناوين سياسية فضفاضة، وإنما وضع تصورًا متكاملًا لشكل الحوار المرتقب، والمسودات التي يمكن أن ينطلق منها، وكيفية انعقاده بعد انتهاء مرحلة التهيئة.

يقترح التصور أن يبدأ الحوار عبر ورش فنية متخصصة، تستمر لمدة زمنية محددة، ويشارك فيها علماء السودان وخبراؤه ومهنيوه في الداخل والخارج؛ لدراسة المشروعات المقدمة، واختبارها، وتحديد أوجه القصور فيها، وتعديلها أو استبدال ما لا يصلح منها بما هو أفضل، وصولًا إلى صياغة استراتيجية وطنية متكاملة لمعالجة أزمات الدولة السودانية.

ويرتكز المشروع الذي أعدّه المركز على ثلاث وثائق مترابطة:

أولها «خارطة طريق السودان أولاً»، وتتكون من أربعين بندًا أساسيًا موزعة على أربع مراحل؛ تبدأ بمرحلة الحرب الراهنة وإنهائها وإدارة الأزمة، ثم مرحلة التعافي من آثار الحرب وإعادة إعمار ما دمرته، تليها مرحلة بناء الدولة الحديثة ومؤسساتها، قبل الانتقال إلى مرحلة استدامة النمو والسعي نحو الريادة العالمية.

وثانيها «مقترح دستور الركيزة الانتقالي»، الذي يتكون من 164 مادة وضعت لتنظيم الفترة الانتقالية، وضبط مؤسساتها وسلطاتها واختصاصاتها، وتحديد الحقوق والحريات وآليات الرقابة والمساءلة، وتهيئة البلاد للانتقال الآمن إلى الدستور الدائم.

أما الوثيقة الثالثة فهي «خطة المسارات السبعة لإنهاء الحرب في السودان»، وهي خطة تسعى إلى إطلاق نفير وطني واسع يشارك فيه المواطنون والدولة والقوى الوطنية والسودانيون في الخارج، بحيث يعرف كل طرف المهمة المطلوبة منه، وتتجمع الطاقات السودانية داخل مسار واحد يهدف إلى إنهاء الحرب، وتثبيت السلام، والشروع في تنفيذ بقية بنود وخطوات خارطة الطريق.

واللافت في هذا المشروع أن المركز لا يعتزم تقديم وثائقه بوصفها نصوصًا نهائية أو حلولًا مغلقة، وإنما باعتبارها مسودات عمل فنية واستراتيجية تُطرح أمام خبراء السودان ومختصيه للفحص والاختبار والتطوير، إلى جانب ما قد يُقدَّم من مشروعات وطنية مشابهة، إن وجدت.

وبعد اكتمال أعمال الورش واعتماد مخرجاتها، تُجمع الصياغات النهائية في ميثاق وطني متكامل، يُعرض على الكتل السياسية والكيانات المجتمعية والفصائل المسلحة وعامة المواطنين، ليوقّع عليه كل من يلتزم بمضامينه ويعلن استعداده لتنفيذ ما يخصه منه. كما يتضمن التصور إتاحة الميثاق عبر موقع إلكتروني رسمي، حتى يتمكن السودانيون في الداخل والخارج من الاطلاع عليه وإعلان تأييدهم له والتوقيع عليه إلكترونيًا.

وقد أُتيحت لي فرصة الاطلاع على جانب من هذه الملفات، فوجدت أمامي مشروعًا طموحًا ومترابطًا، إذا وجد حظه من الدراسة والتطوير والتجرد، يمكن أن يسهم في توحيد الصف، وتفجير الطاقات الوطنية، ونقل الحوار من الجدل السياسي المفتوح إلى ميدان الحلول والبرامج وآليات التنفيذ، ووضع البلاد على الطريق الصحيح نحو الخلاص والتعافي وإعادة البناء.

إن لجنة تهيئة الحوار السوداني–السوداني تضطلع اليوم بعمل كبير ومهم في وقت بالغ الحساسية، وقد يمثل هذا التصور، بعد انتهاء مرحلة التهيئة، أساسًا عمليًا يساعد على تنظيم الحوار وتحديد مساراته ومخرجاته، ويمنح علماء السودان وخبراءه ميدانًا وطنيًا حقيقيًا للإسهام في إنقاذ بلادهم.

نترقب باهتمام تقديم الخطاب إلى اللجنة، والإعلان عن ملامح خارطة الطريق، وتفاصيل المسارات السبعة لإنهاء الحرب، ومواد الدستور الانتقالي، وما يمكن أن تفتحه هذه الوثائق من أفق جديد أمام السودانيين.

فربما يكون ما يعده مركز السودان أولاً للدراسات والتخطيط الاستراتيجي حالياً هو مشروع غير مسبوق يستحق أن نقرأه، ونناقشه، ونختبره، ونشارك في تطويره؛ فالسودان لم يعد يحتمل مزيدًا من الانتظار.
الاستاذ / محمد احمد البشرى