عودة الباسل بابكر

وجه الحقيقة | د. إبراهيم شقلاوي

عودة الباسل بابكر..

“بجر القول والشكر لي الباسل بابكر” بهذه الكلمات خلدت الشاعرة السودانية زينب بابكر عبد الله الشوبلي سيرة جدها العمدة البخيت بابكر ضحوي، المعروف بـ”الباسل بابكر” . وهناك خلاف بين أهل التراث، حول النطق الصحيح للاسم، فمنهم من ينطقه بالسين، الباسل ، دلالةً على الشجاعة والبأس، ومنهم من يرى أن الأصح بالذال، الباذل، بما تعنيه من الجود والكرم والعطاء. على أية حال، فإن ما يعنينا في هذا المقال كلا المعنيين في القصيدة التي تجاوزت حدود المدح والفروسية لتصبح تعبيراً عن قيمة إنسانية وسلوك اجتماعي ظل ملازماً لأهل السودان عبر التاريخ.

فالباسل والباذل في الوجدان السوداني ليس مجرد فارس يشهر سيفه، وإنما إنسان يحمل عن الآخرين أعباءهم، ويغيث المحتاج، ولا يتخلى عن رفيقه حين تضيق السبل. إنها ثقافة النجدة والتكافل التي صنعت تماسك المجتمع في أزمنة الشدة، وما زالت تمنحه القدرة على الصمود أمام التحديات .

نستدعي هذه القيمة اليوم، لتذكير الحكومة بأن إدارة الدولة في أوقات الأزمات تحتاج إلى استحضار هذه المعاني. فالسودانيون الذين واجهوا الحرب وتداعياتها، وتحملوا النزوح وفقدان مصادر الدخل وتراجع الخدمات، يعيش كثير منهم ضغوطاً متزايدة في تأمين الغذاء والدواء، واستمرار تعليم أبنائهم، وتكاليف الترحيل والمواصلات. وفي مواجهة هذه الأعباء، لا يكفي أن تعلن الحكومة خطط التقشف وخفض الإنفاق، بل عليها أن تجيب عملياً عن سؤال الناس: ماذا ستفعل الدولة لتخفيف المعاناة التي تصفعهم كل صباح من كل اتجاه، في السوق والخدمات والمعاش.

في اجتماعها الطارئ برئاسة كامل إدريس، الأحد ، ناقشت حكومة الأمل خطة لخفض الإنفاق الحكومي، وتدابير لتخفيف أعباء المعيشة، إلى جانب منافذ البيع المخفض، ومشروع لتوفير الخبز بأسعار أقل، وبرنامج استعادة الخدمات الأساسية. وهي ملفات تمس احتياجات المواطنين مباشرة، غير أن أهميتها ستظل رهينة بقدرتها على الانتقال من دائرة الإعلان إلى واقع يلمسه الناس في أسواقهم ومنازلهم ومدارس أبنائهم ومرافق علاجهم.

فالتقشف الذي ينتظره المواطن يرتبط بمراجعات جادة لأولويات الدولة، تبدأ بالحد من الهدر والإنفاق غير الضروري والامتيازات الحكومية، وتحمي في الوقت نفسه الموارد المخصصة للصحة والتعليم والخدمات الأساسية. وهنا يظهر المعنى السياسي للباسل بابكر، أن تبدأ القيادة بحمل العبء، قبل أن تطلب من الناس احتماله، وأن تكون الدولة شريكاً في مواجهة الأزمة، لا مجرد جهة تشرح أسبابها وتدعو إلى الصبر عليها.

وفي الغذاء والدواء، تحديداً، ينبغي أن تتقدم الاستجابة الحكومية من التدخلات المحدودة إلى سياسة تضمن توافر السلع الأساسية، وتحد من ارتفاع تكاليفها، وتدعم وصول العلاج إلى الفئات الأكثر احتياجاً. فالجوع لا ينتظر اكتمال الخطط، والمريض لا يستطيع تأجيل حاجته إلى الدواء حتى تستقر المؤشرات الاقتصادية. وكذلك التعليم، الذي لا ينبغي أن يصبح امتيازاً للأسر القادرة على تحمل الرسوم وتكاليف الانتقال، بل حقاً تحميه الدولة، خصوصاً في مجتمع أنهكت الحرب موارده وهددت مستقبل أجياله.

أما الترحيل والمواصلات، فقد أصبحا جزءاً من معادلة المعيشة اليومية، إذ تتضاعف كلفتهما على العامل الذي يسعى إلى رزقه، والطالب الذي يريد الوصول إلى مدرسته، والمريض الذي يحتاج إلى المستشفى. ولذلك فإن تخفيف أعباء المواطنين يتطلب النظر إلى منظومة الحياة اليومية كاملة، لا الاكتفاء بمنافذ البيع المخفض أو خفض أسعار سلعة بعينها. فالمواطن لا يشتري الطعام وحده، وإنما يتحمل تكلفة الوصول إليه، كما لا يحتاج إلى مقعد دراسي فقط، بل إلى وسيلة نقل تمكنه من بلوغه.

لقد أظهر المجتمع السوداني، عبر سنوات الحرب، صوراً واسعة من التكافل وإيواء النازحين وتقاسم الطعام والدواء ومساندة الأسر المتضررة، عبر “التكايا” . وهذه الروح ليست بديلاً عن مسؤولية الدولة، بل دليل على القيمة التي ينبغي أن تستند إليها سياساتها. فالمبادرات الشعبية تستطيع سد بعض الثغرات، لكنها لا تملك الموارد لإدارة أزمة وطنية بهذا الحجم. ومن ثم، فإن المطلوب هو أن تنتقل الحكومة من مراقبة قدرة المجتمع على الصمود إلى بناء سياسات جادة ،تعينه على استعادة حياته وكرامته.

إن عودة الباسل بابكر التي نعنيها في #وجه_الحقيقة ليست استدعاءً للتاريخ، بل امتحانٌ لحكومة د. كامل إدريس، فالحكومات لا تُقاس بما تقول، بل بما تنجز، ولا تُعفى من المساءلة لأن البلاد في أزمة. حين يعجز الخطاب عن توفير الخبز والدواء والخدمات، تصبح الوعود ستاراً للعجز، ويغدو الصمت عن معاناة الناس إخفاقاً في المسؤولية. فهل تدرك الحكومة أن الشجاعة ليست في تبرير الأزمة، بل في مواجهتها، وأن السلطة ليست امتيازاً يُمارس من أعلى، بل أمانة تُختبر عند معاناة الناس؟ إن السودان لا يحتاج إلى حكومة تستحضر التقشف، بل إلى حكومة تجسد معانيه، وإلا ظل الباسل بابكر حاضراً في التراث والقيم، غائباً عن الدولة.
دمتم بخير وعافية
الثلاثاء 13 أكتوبر 2026م. Shglawi55@gmail.com
الباسل_بابكر #عودة_الباسل_بابكر #الحكومة_السودانية #معاناة_المواطنين #معاش_الناس #تخفيف_أعباء_المعيشة #العدالة_الاجتماعية #مسؤولية_الدولة #التكافل_السوداني #الأمن_الغذائي #حكومة_الأمل #إبراهيم_شقلاوي