مصطفى عبدالعزيز البطل
——
ثمة سؤال ظل معلقاً في الهواء منذ اندلاع الحرب: لماذا لم تقم الدولة بعزل نظّار القبائل الذين انحازوا إلى قوات الدعم السريع، وانخرطوا في تجنيد أبناء قبائلهم، وحرّضوا على قتل ونهب واغتصاب وتشريد وترويع الملايين من ابناء شمال السودان (بتعريف الشمال الواسع)، وفي مقدمة هؤلاء يأتي ناظر الرزيقات، محمود موسى مادبو؟!
المسألة هنا ليست مجرد خلاف سياسي مع ناظر قبيلة، وإنما تتصل بطبيعة الموقع نفسه وبمصدر مشروعيته فالإدارة الأهلية بصورتها المؤسسية المعروفة اليوم نشأت وتطورت في ظل سلطة الدولة، وظلت مواقعها القيادية مرتبطة باعتراف السلطة المركزية واعتمادها. ومن ثم يثور سؤال مشروع: ماذا يحدث عندما يتخذ شاغل هذا الموقع موقفاً يتعارض مع الدولة، أو ينحاز إلى قوة مسلحة تقاتلها؟ هل يظل محتفظاً بالصفة التي منحته إياها الدولة؟!
ولكن الأمر يصبح أكثر إثارة للتأمل حين نعود إلى تاريخ نظارة الرزيقات نفسها، إذ لم تكن أسرة مادبو منذ البداية صاحبة نظارة على عموم الرزيقات. والحقيقة أنه كان للرزيقات ثلاثة شيوخ يمثلون فروعاً رئيسية منها: الشيخ مادبو، والشيخ منزول، والشيخ عليان.
ووفقاً للوقائع التاريخية، وقف الشيخان منزول وعليان في الموقف الطبيعي المناصر لبني جلدتهم في مواجهة الزبير باشا خلال حربه مع سلطنة دارفور، بينما انحاز الشيخ مادبو إلى الزبير باشا على حساب أهل دارفور وسلطنتهم. وحين انتصر الزبير باشا، لم ينسَ له هذا الانحياز ضد قومه فكافأه بتوسيع سلطته من مشيخة أحد فروع الرزيقات إلى المشيخة على عموم الرزيقات.
ثم جاء الحكم البريطاني، فتطورت منظومة الإدارة الأهلية، وتحول موقع الشيخ إلى موقع «الناظر» ضمن البناء الإداري الذي أقامه الاستعمار وأسند فيه النظارة الى آل مادبو. وبذلك فإن تاريخ نظارة آل مادبو انما هو في حقيقته قصة ارتباط وثيق بالسلطة السياسية التي قامت بتثبيت الموقع وتوسيع نطاقه وتعيين أفراد الأسرة.
ثم أن هناك روايات راسخة ظلت تتردد عبر السنوات بين المتعلمين من أبناء الرزيقات بشأن حقيقة انتماء آل مادبو.، ويذهب هؤلاء الى إن الأسرة تنحدر أصلاً من مهاجرين قدموا من غرب أفريقيا، وإن اسم «مادبو» نفسه تحوير لاسم «موديبو» الشائع في غرب أفريقيا. ويُستشهد في هذا السياق بالرئيس المالي السابق موديبو كيتا.
وكل هذا لا يهمنا، وانما يبقى السؤال الأبرز، وهو السؤال الذي لا يتعلق بأصل الأسرة ولا بتاريخ الاسم، وإنما بالحاضر:
إذا كانت الحكومة القائمة ترى حقاً أن الحرب تستهدف الدولة وشعبها ومؤسساتها ووحدة البلاد، فلماذا تبقي على رأس نظام الادارة الأهلية قيادات موالية وداعمة ومحرضة ومشاركة قلباً وقالباً لقوات الدعم السريع في حربها ضد ابناء شمال السودان تحت دعاوى واهية ومصطنعة من قبيل إزالة دولة ٥٦، والنضال ضد التهميش، ومحاربة الكيزان؟!
وفي انتظار الاجابة نرشح الشيخ موسى هلال ناظراً لعموم الرزيقات.
