حصائل الصادر بين قرار وإلغائه: أزمة مصداقية في بنك السودان
وليد دليل
خبير مصرفي
أواخر يونيو 2026 ألزم بنك السودان المصارف بتطبيق سعر صرف موحد عند تمويل طلبات الاستيراد، واشترط على أي مصرف يرغب في استخدام حصائل صادراته لتمويل عملائه أن يحصل أولاً على تنسيق مسبق مع المركزي. الهدف المعلن كان ضبط تعدد الأسعار، لكن الآلية حملت تناقضاً واضحاً: فرض سعر إداري أدنى من سعر السوق الموازي على حصائل الصادر، أي مطالبة المُصدّر بالتنازل عن فارق سعري حقيقي لصالح جهة لا تتحمل مخاطر التصدير ولا كلفته.
النتيجة جاءت متوقعة: إحجام تدريجي عن توريد الحصائل عبر القنوات الرسمية، وتفضيل تصريفها في السوق الموازي حيث السعر أعلى. فبدل أن يوحّد القرار السعر، قطع أحد أهم روافد العرض الرسمي للنقد الأجنبي، وهو ما انعكس في تسارع انزلاق الجنيه أمام الدولار والدرهم خلال الأسابيع التالية، رغم استمرار ضخ البنك المركزي للنقد الأجنبي كإجراء موازٍ يناقض منطق التعميم نفسه.
بعد نحو ستة أسابيع، عاد البنك في منتصف أغسطس وألغى التعميم بالكامل، وأعاد للمصارف حرية شراء الحصائل وفق أسعارها الخاصة. الإلغاء خطوة صائبة متأخرة، لكنه يترك سؤالاً معلقاً: من يتحمل كلفة الأسابيع الست التي انزلق فيها الجنيه وتوقف فيها توريد الحصائل؟ لا توجد آلية واضحة تربط جودة القرار النقدي بنتائجه، وهذا جوهر المشكلة.
النمط ذاته تكرر في قضية ترخيص شركة العسجد لتشغيل محوّل المعاملات المالية: مُنح الترخيص في أبريل 2026 لثلاث سنوات قابلة للتجديد، وشارك المركزي في حفل تدشينه، ثم سحبه بعد أقل من ثلاثة أشهر. سواء كان السحب مبرراً رقابياً أم لا، فإن منح ترخيص وسحبه في مدة قصيرة كهذه يعكس خللاً في دراسة القرار قبل صدوره، ويرسل إشارة سلبية لبيئة الاستثمار المالي عموماً.
وخلف هذا التذبذب في القرار يكمن سبب أعمق، هو ضعف الأداة الرقابية ذاتها. فبنك السودان يعلن بين حين وآخر عن حظر مئات الشركات المخالفة لضوابط الصرف والاستيراد، لكن هذا الحظر لم يترجم إلى ضبط فعلي لموارد النقد الأجنبي ولا إلى تقليص حقيقي لنشاط السوق الموازي، لأن أدوات المتابعة الميدانية أضعف من حجم المخالفات، ولأن القرار الإداري وحده لا يغني عن قدرة تنفيذية تلاحق التدفقات خارج القنوات الرسمية. وهذا الضعف الرقابي هو ما يدفع المتعاملين، مصدّرين وممولين على حد سواء، إلى اللجوء لأساليب بعيدة عن المصارف كلما شعروا أن سعر الصرف الرسمي لا يعكس واقع السوق، فيتغذى الموازي من فجوة الثقة ذاتها التي تخلقها القرارات المرتبكة.
الكلفة التراكمية لهذا النمط لا تقتصر على تحرك سعر الصرف صعوداً وهبوطاً، بل تمتد إلى ما هو أبعد أثراً على المدى المتوسط. فتكرار التغيير في قواعد اللعبة خلال أسابيع معدودة يفقد المصدرين والمستوردين قدرتهم على التخطيط المالي لعملياتهم، إذ يصعب على أي شركة تسعير عقودها أو جدولة التزاماتها في بيئة تتبدل فيها القواعد قبل أن تستقر آثار القرار السابق. كما يفاقم هذا التذبذب الضغط على احتياطيات البلاد من النقد الأجنبي، لأن كل موجة إحجام عن التوريد الرسمي تعني حرمان الاحتياطي من موارد كانت متاحة لولا القيود التي فرضت ثم أُلغيت. والنتيجة النهائية حلقة مفرغة: قرار يُراد به الضبط فيغذي الموازي، فتضعف الثقة، فيتراجع التوريد الرسمي، فيُلغى القرار بعد فوات الأوان، ليبدأ البحث عن ضبط جديد من نقطة أضعف مما كانت عليه في البداية.
ما تحتاجه هذه المؤسسة ليس مزيداً من التعميمات التصحيحية، بل مراجعة لآلية صنع القرار ذاتها: دراسة أثر مسبقة قبل أي توجيه يمس سعر الصرف أو التراخيص، وبناء قدرة رقابية ميدانية توازي صرامة النصوص الصادرة، وفصل بين وظيفتها كمنظم للقطاع ووظيفتها كطرف في السوق، ومساءلة عن كلفة القرارات المتناقضة على ثقة المتعاملين. فبنك مركزي يصدر قراراً ثم يلغيه، ويمنح ترخيصاً ثم يسحبه، لا يدير أزمة سيولة فحسب، بل يدير أزمة مصداقية هي أثمن ما يملكه، وأصعب ما يُستعاد متى فُقد.
حصائل الصادر بين قرار وإلغائه: أزمة مصداقية في بنك السودان
