إعادة إعمار أم إعادة تصميم

إعادة إعمار أم إعادة تصميم
المبر محمود

وفقاً لهيئة المفتش العام الأمريكي لإعادة إعمار أفغانستان، أنفقت الولايات المتحدة الأمريكية وحدها أكثر من 145 مليار دولار على مشاريع إعادة إعمار أفغانستان بين عامي 2001 و2021. فخلال تلك السنوات شُقت طرق جديدة، وأُنشئت مطارات، وافتتحت مدارس ومستشفيات، وبُنيت مقار حكومية حديثة في عدد من المدن، كما شاركت عشرات الدول والمنظمات الدولية في مشروع عُدَّ وقتها من أكبر مشاريع إعادة الإعمار في العالم. ثم جاء أغسطس 2021، دخلت حركة طالبان العاصمة كابل وخرج الموظفون الأمميون، فإذا برية الأفغانية تعود لعادتها القديمة؛ انهار جهاز الدولة خلال أيام، وتعطلت مؤسسات حكومية كثيرة، وتوقفت أجزاء واسعة من الإدارة العامة عن أداء وظائفها. وعندها اكتشف العالم أن الولايات المتحدة وحلفاءها بنوا كل شيء تقريباً، ونسوا أهم شيء، وهو بناء مؤسسات دولة تمتلك الكفاءة والقدرة على إدارة تلك الأصول والخدمات والاستثمارات، وحمايتها، وتطويرها، وضمان استمرارها تحت مختلف الظروف.

العبرة من أفغانستان أن الدول الخارجة من الحروب والكوارث، والتي تعاني ضعفاً تاريخياً في جهاز الدولة، واختلالاً في بنيتها الإدارية والتنفيذية، وتداخلاً في الاختصاصات، تبدأ رحلة التعافي بالتعامل الجاد مع ملف الإدارة. وبما أن السودان يحمل هذا الإرث بكل تفاصيله، وجاءت الحرب لتزيد الأمر وهناً على وهن، حتى أصبح أثره واضحاً في الخدمة المدنية، وفي غياب التخطيط، وفي الارتجال الذي أصبح السمة الغالبة على أداء مجلس الوزراء، وفي بطء اتخاذ القرار، وفي تراجع قدرة الأجهزة الحكومية على تنفيذ ما يُسند إليها من مهام، فإنه اليوم في حاجة ماسة إلى أن يجعل مشروع “إصلاح الخدمة العامة” هو شعار المرحلة، والمدخل الضروري، الذي لا بديل عنه لإعادة الإعمار. فكل الموارد التي ستتدفق إلى البلاد، على شحها، وكل مشروع سيولد في مرحلة ما بعد الحرب، سيمر عبر الجهاز الإداري للدولة. وإذا بقي هذا الجهاز على حاله الراهن، سيكون مصير الموارد الهدر، وستتسع أبواب الفساد، وستظهر مشروعات لا يتجاوز أثرها حدود الأوراق والتقارير، دون أن يحدث ذلك أي تحول حقيقي في حياة الناس اليومية.

وما نكتبه هنا ليس تصوراً نظرياً. ففي ديسمبر 2004 ضرب زلزال بلغت قوته 9.1 درجات المحيط الهندي، تسبب في موجات تسونامي عاتية اجتاحت سواحل أربع عشرة دولة، مخلفة نحو 230 ألف قتيل، ومشردة أكثر من 1.7 مليون إنسان. انصرفت بعده بعض الحكومات إلى إعادة بناء ما دمرته الكارثة وفق الصورة التقليدية، فتركز الاهتمام على العمران، بينما رأت حكومات أخرى في الكارثة فرصة لا تعوض لكسر الجمود الهيكلي وإعادة ترتيب الدولة من الداخل. وكانت تجربة إقليم آتشيه الإندونيسي من أوضح النماذج في هذا المجال، فقد استثمرت الحكومة الكارثة لإنهاء نزاع مسلح امتد قرابة ثلاثة عقود، نزعت سلاح حركة آتشيه الحرة، وسرحت مقاتليها، وأدمجتهم في الحياة المدنية والسياسية، وبالتوازي مع ذلك أُنشئت هيئة مستقلة لإعادة الإعمار لتجاوز البيروقراطية، وفتحت ملفات ظلت مؤجلة سنوات طويلة، شملت إصلاح الإدارة العامة، وإعادة تنظيم مؤسسات الدولة، ومعالجة اختلالات سبقت الكارثة بسنوات. وبعد أقل من خمس سنوات اكتملت غالبية مشروعات إعادة الإعمار، وخرج الإقليم بجهاز إداري أكثر تماسكاً، ومؤسسات أكثر قدرة على إدارة مرحلة ما بعد الكارثة. أما سريلانكا فقد قدمت الوجه الآخر للقصة، إذ قادت هشاشة المؤسسات وضعف الإدارة إلى تبديد المساعدات الدولية، وتعثر عدد من المشروعات، واتساع دائرة الفساد، لتؤكد التجربتان معاً أن نجاح الإعمار رهين بقوة المؤسسات التي تشرف عليه وليس بالأموال التي تُنفق.

في علم إدارة الأزمات، فإن التعافي الإيجابي يقوم على الاستفادة من الكدمات الهيكلية لإحداث تغيير جذري نحو الأفضل. وعلماء الاجتماع السياسي يقولون إن المجتمعات الخارجة من الحروب تكون أكثر استعداداً لتقبل إصلاحات كبيرة كان يصعب تمريرها في الظروف العادية قبل الحرب. ولذلك ينبغي للدولة أن تستثمر هذه اللحظة في مراجعة قوانينها، وإعادة هيكلة الخدمة المدنية، وإصلاح نظامها الضريبي، ومعالجة ملف الفساد، وإعادة تنظيم مؤسساتها على أسس علمية أكثر كفاءة. وهذه الفرصة لا تبقى مفتوحة طويلاً، فمع مرور الوقت تستعيد شبكات المصالح القديمة نفوذها، وتتراجع قدرة الحكومة على اتخاذ القرارات الصعبة، ويصبح الإصلاح الذي هو ممكن الآن أكثر كلفة وتعقيداً غداً. والحكومة مطالبة أيضاً بأن تنظر إلى المرحلة المقبلة بوصفها مشروعاً لإعادة تصميم السودان وليس إعماره، وأن تدرك أن العقل المؤسسي الذي أدار الدولة لعقود طويلة، وفشل في إدارة التنوع، وأخفق في بناء مؤسسات عامة قادرة على ضبط موارد الدولة، وسمح بتراكم الأزمات عاماً بعد عام حتى وصلت البلاد إلى ما هي عليه الآن، هو الذي يحتاج تعمير وبناء قبل أصول الدولة الأخرى، وإن الإبقاء عليه من دون مراجعة عميقة يعني أن المشروعات الجديدة ستدار بالأدوات نفسها، وبالنتائج التي يعرفها السودانيون جيداً.

ولعل أكبر خطأ يمكن أن تقع فيه الدولة هو أن تبني خطتها على افتراض أن الجهات الدولية المانحة والدول الصديقة ستتولى تمويل إعادة إعمار السودان. فالعالم الذي كان سخيّاً وموّل إعادة إعمار البوسنة وأفغانستان والعراق لم يعد موجوداً بالصورة نفسها. فالحروب تتسع، والاقتصادات الكبرى تواجه ضغوطاً متزايدة، وأولويات الإنفاق الدولي تغيرت بصورة واضحة. وبالتالي، على الحكومة أن تتعامل مع الموارد المتاحة باعتبارها رأس المال الحقيقي لمرحلة التعافي، وأن تعيد ترتيب أولوياتها بدقة، فلا تتوزع على عشرات الملفات في وقت واحد، وأن تقاوم إغراء التكسب السياسي، فلا تدخل في سباق لإطلاق مشروعات أكبر من قدرتها على التمويل والاستمرار، وأن تتحلى بالواقعية وتحصر مهامها في توفير الأمن، واستعادة الخدمات الأساسية والإنتاجية، دون التوسع في أي مشاريع جديدة تضيف أعباء تمويلية على الموارد المحدودة، وبذلك تستطيع أن تعيد الحياة إلى المجتمع، وتخلق حركة اقتصادية توفر للدولة موارد جديدة، وتمنحها قدرة أكبر على الانتقال إلى مراحل أخرى.

وفيما يتصل بملف الإعمار، فعلى الحكومة أن تنتقل من الإدارة العفوية والتلقائية إلى العمل المؤسسي المنظم. وأول خطوة تحتاجها هي إعداد مسح وطني شامل للأضرار، يصنف ما خلفته الحرب بحسب القطاعات والولايات، ويحدد تكلفة إعادة التأهيل وأولويات التنفيذ، حتى تبنى الخطط على أرقام دقيقة لا على تقديرات متباينة. ومن الضروري إنشاء “هيئة مستقلة لإعادة الإعمار والتطوير” تُنشأ بقانون سيادي، وتتكون من خبراء وكوادر وطنية مشهود لها بالنزاهة والنجاح، وتتمتع باستقلال إداري ومالي، وتتبع لرئاسة الدولة، وتتولى إدارة هذا الملف من بدايته إلى نهايته، وتنسق بين الوزارات والولايات والقطاع الخاص والشركاء، ضمن خطة وطنية واحدة، مع نشر البيانات والتقارير بصورة دورية، حتى يعرف المواطن قبل المانح أين تذهب الموارد وكيف تُدار. وهذا النموذج ليس جديداً؛ فقد أنشأت إندونيسيا بعد كارثة تسونامي وكالة إعادة إعمار آتشيه ونياس، كما اعتمدت البوسنة والهرسك والكويت بعد التحرير على مؤسسات مستقلة لإدارة مرحلة التعافي، لأن الإعمار في التجارب الناجحة كان مشروع دولة تديره مؤسسة واحدة، لا ملفاً تتقاسمه عشرات الجهات، كما أنه كان مدخلاً لإعادة تصميم الدولة قبل تعميرها.